أهمية الأسرة وترابطها في الإسلام(2)في 23/5/1426هـ
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: عباد الله! فقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن الأسرة وأنها اللبنة الأولى للمجتمع الذي يريد الإسلام صلاحه، وأن الأسرة هي الوضع الفطري الذي ارتضاه الله لحياة الإنسان، كما قال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً( [الرعد:38]؛ وذكرنا أن أس ترابط الأسرة والذرية: زوجان متكاملان متفاهمان، يكمل بعضهما بعضًا، وأكدنا أن الإسلام وضع نظامًا محكمًا، في أسمى ما يتطلع إليه البشر، متى ما التزم الناس به وساروا على هديه عمليًّا وواقعًا سلوكيًّا في حياتهم، لكن الواقع والشواهد والأرقام تؤكد -وللأسف- بدايات خطيرة للتفكك والانهيار الأسري في كثير من البيوتات، حتى أصبحت بعضها أشبه بفنادق للإيواء في أوقات الراحة فقط!! في ظل متغيرات، وفضائيات، وركض محموم أضعف مفهوم الأسرة الجميل لدى الكثير، ومن المهم جدًّا أن نذكر ونكرر دائمًا أن الأسرة المسلمة اليوم تواجه هجمات شرسة، باعتبارها الحصن الأخير للفضيلة، وتربية الأجيال، ولأنهم يعلمون جيدًا أنها ركيزة البناء الاجتماعي الإسلامي السليم، ولذا بدأنا الحديث عن تطبيقات عملية لكيفية بناء الأسرة وترابطها من حياة المصطفىr في أسرته، بعد أن ذكرنا أنه r النموذج الحي والمثل الأعلى لكل مسلم ومسلمة، فالحياةُ الزَّوجيَّةُ في بيتِه r أنموذجٌ رائعٌ نذكِّرُ به بين الحين والحين كل زوجين وأبوين، كما نذكر به المصلحين والمرشدين، في الاتِّباعِ والتأسِّي في كيفية المعالجة والإرشاد؛ )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا( [الأحزاب:21]. ولذلك أمرَ الله -عزَّ وجلَّ- نساءَ النبيِّ أن يخبرنَ بكلِّ ما يدورُ في بيتِه r، حتى ولو كانَت هذه الأخبارُ أسرارًا زوجيَّةً، فقال الله -عزَّ وجلَّ- مخاطبًا نساءَ النبي r: )وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا( [الأحزاب:34]، وبدراسة حياة النبيr داخل بيته، ومعاشرته لزوجاته رضي الله عنهن، وإرشاده للمؤمنين يتضح أن الأكدار والمواقف الساخنة في الحياة الأسرية لا يخلو منها بيت، وأن الأسرة السعيدة هي التي تعرف طريقة احتواء مشاكلها وحلها بحكمة وصبر وروية، وكم هي المواقف والأحاديث التي تحكي لنا حكمة وحنكة النبيe في الإرشاد والتوجيه، والتعامل مع المشاكل الأسرية، ذكرنا شيئًا منها في الخطبة السابقة، وتعالوا لمواقف تطبيقية أخرى في بيت النبوة:
عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ r مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ r يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ؟! فَيَقُولُ: ((إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ)). هدوء عجيب من الحبيب r، وفهم عميق لنفسية المرأة وفطرتها وما جبلت عليه، وَلِهَذَا لَمْ يَزْجُر النَّبِيُّ r عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ، بل إن الْغَيْرَةَ المعتدلةَ تضفي جوًّا من السعادة والإثارة . وموقف تطبيقي آخر في بيت النبوة، يوضح فقه التعامل مع نزغات الشيطان، وحظوظ النفس البشرية، ولا يخلو جو أسري من هذا مهما كان: فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ r حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا ؟ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ: ((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ)) قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ: ((مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا)). سبحان الله! تصحيح للخطأ بتوجيه ونصح جميل، دون تعنيف أو صراخ أو تهديد، ويتكرر هذا في بيت النبوة مرة أخرى، بل مرات، ومن ذلك: ما رواه أَنَس، قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيٍّ؛ فَبَكَتْ؛ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ r وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي بِنْتُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ r: ((إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟)) ثُمَّ قَالَ: ((اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ)). تأملوا الموقف جيدًا، إنصاف للمظلوم، وثناء وتزكية، دون إساءة لحفصة، بل كلمة ربانية، وتذكير برقابة سماوية، وغرس وازع الدين في النفس. وتدبروا أيضًا - معاشر المرشدين- إرشاده ومشورتهr لفاطمة بنت قيس كما في صحيح مسلم أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ r فَذَكَرَتْ ذَلِكَ، لَهُ فَقَالَ: ((لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ)) فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: ((تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي)) قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ((أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ)) فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((انْكِحِي أُسَامَةَ)) فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ )). قال النووي: "وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز ذِكْر الْإِنْسَان بِمَا فِيهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة وَطَلَب النَّصِيحَة، وَلَا يَكُون هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة، بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة . وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّ الْغِيبَة تُبَاح فِي سِتَّة مَوَاضِع؛ أَحَدهَا: الِاسْتِنْصَاح...وَأَمَّا إِشَارَتهr: بِنِكَاحِ أُسَامَة فلما عَلمهُ مِنْ دِينه وَفَضْله وَحُسْن طَرَائِفه وَكَرَم شَمَائِله فَنَصَحَهَا بِذَلِكَ، فَكَرِهَتْهُ لِكَوْنِهِ مَوْلًى، وَقَدْ كَانَ أَسْوَد جِدًّا، فَكَرَّرَ عَلَيْهَا النَّبِيّ r الْحَثّ عَلَى زَوَاجه، لما علم مِنْ مَصْلَحَتهَا فِي ذَلِكَ، وَكَانَ كَذَلِكَ, وَلِهَذَا قَالَتْ: ((فَجَعَلَ اللَّه لِي فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْت)). انتهى. وأيضًا إرشادهr لفاطمة أشرف نساء العالمين، فقد كانت تخدم زوجها؛ فأَتَتْ إليه r، تَشْكُو مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ؛ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ. قَالَ علي t: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: ((عَلَى مَكَانِكُمَا)) فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا -أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا- فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ )). لقد عالج النبي r هذا الموقف بلمسات تربوية رائعة، وأرشدهما إلى علاج إيماني، رغم أن مشكلة الخادم اليوم – مع بساطتها- قد تكون سببًا رئيسًا في كثير من حالات الطلاق والمشاكل الأسرية، فقد تكبر وتتضخم لدى بعض البيوتات لأتفه الأسباب، وقد نصنع من الحبة قبة كما يُقال، وأذكر هنا موقفًا طريفًا يُعبر عن مثل هذه الحالات، حيث إن أعرابية جلسَت تحادثُ زوجَها، وتطرَّقَ الحديثُ إلى المستقبَلِ كعادةِ الأزواجِ، فقالت: إنَّها ستجمعُ صوفًا، وتغزلُه وتبيعُه، وتشتري به بَكرًا! فقال زوجُها: إذا اشتريتِه فسأكونُ أنا الذي أركبُه، قالت: لا أنا أحق بركوبه!! فألحَّ زوجُها، فرفضَت، وأصرَّ ولم ترجِع هي، حتى غضبَ زوجُها فطلَّقَها! فهذا موقف يوضِّحُ حقيقةَ الحالِ في كثيرٍ من المشاكل أو حالات الطَّلاقِ في بعض البيوت لأسبابٍ تافهةٍ، فكثيرٌ من المشكلاتِ وهميَّةٌ تنتهي بنهايةِ الحياةِ الزوجيَّةِ، وللأسفِ!. ومن التطبيقات والمواقف الجميلة في حياته r ما روى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ r، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ وَتَنَاوَلَهَا، أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r؟! قَالَ: فَحَالَ النَّبِيُّ r بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا [يعني كأنَّهُ جعلَها خلفَه يريدُ أن يخلِّصَها من أبيها] قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ r يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا: أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ؟ قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا)). رجعَت العلاقةُ مرَّةً أخرى بحسنِ معالجته للموقف بطريقة ودية، مع مداراتِه لزوجِه بالاعتذارِ والملاطفة منه r . لقد كان المرشد الأولe بشرًا من البشر، ولذا ومن خلال التطبيقات السابقة يتضح كيف كانe يؤكد كل مرة تلك البشرية والواقعية، وتبسيط التعامل معها من هذا المنطلق دون احتقان وغليان، وسوء ظن واتهام، بل لقد كان أزواج النبي r يراجعنه في الكلام، وتهجره الواحدة منهن إلى الليل؛ ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب t قال: ((..فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي؛ فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟! فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ r لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ r ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ r فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ r، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r مِنْكِ، يُرِيدُ عَائِشَةَ)) . ومن المناسب هنا أن أشير إلى موقف عمر t فيما يروى عنه أن دخلَ عليه زوجٌ أشعثُ أغبرُ ومعه امرأتُه وهي تقولُ: لا أنا ولا هذا! فعرفَ كراهيَةَ المرأةِ لزوجِها، فأرسلَ الزَّوجَ ليستحمَّ، ويأخذَ من شعرِ رأسِه، ويقلِّمَ أظافرَه، فلمَّا حضرَ أمرَه أن يتقدَّمَ من زوجتِه، فاستغربَتْهُ، ونفرَت منه، ثُمَّ عرَفَته فقبلَت به، ورجعَت عن دعواها، فقال عمرُ: فهكذا فاصنعوا لَهُنَّ، فوالله إنَّهُنَّ ليحببنَ أن تتزيَّنُوا لَهُنَّ كما تحبُّون أن يتزيَّنَّ لكم . إخوة الإيمان! هذه بعض المواقف الأسرية في بيت النبوة ليقف المسلم على التطبيق العملي الإنساني لكيفية حل المشاكل الأسرية، وفن احتوائها، وكيف يكون الترابط الأسري في البيت الواحد رغم اختلاف النفسيات والرغبات، إلا أن كل واحد يدرك أن له حقوقًا وعليه واجباتٍ، وضعها هذا الدين العظيم بكل روعة واقتدار، لكن هل يفهم المسلم هذا ويعمل به؟ أم أنه يقدم هواه وحظوظ نفسه ورغباته، دون تقدير حقوق ونفسيات الآخرين، أسأل الله أن يفقهنا في الدين، وأن يعيننا على أنفسنا والقيام بواجباتنا، كما أسأله أن يرزقنا التأسي بحبيبنا r، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: اتقوا الله عباد الله، وانظروا في أمركم، وتوبوا إلى ربكم، وصححوا إليه مسيرتكم، واعلموا أن للمعاصي والذنوب آثارًا وخيمةً،{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} فاحذروا ذنوبكم، وأكثروا من التوبة والاستغفار، فالمعاصي تؤثر في تماسك الأسرة، والتوفيق بين القلبين، كما تؤثر في الأمن النفسي، والأمن الأسري، وأمن البلاد والعباد، فأكثروا الاستغفار والتوبة، والصدقة والتقرب لله بالأعمال الصالحة، نسأل الله أن يُديم أمن بلادنا وسائر بلاد المسلمين، وأن يحفظ علينا أمننا وإيماننا، وأن يثبت قلوبنا وأقدامنا، ونسألك اللهم أن تلطف بالمسلمين أجمعين، وأن تعيذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أرادنا أو أراد ديننا أو مقدساتنا، بسوء اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم اكفناهم بما شئت، اللهم أنت خير حافظًا وأنت أرحم الراحمين، اللهم انصر المسلمين المستضعفين، في العراق وفلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم انتقم لهم من الظالمين، وقهم شر الأشرار والمنافقين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أصلح ولاة أمورنا، وفقهم لما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ألف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم، واجمع كلمتهم على التوحيد يا رب العالمين. وصل اللهم وسلم على النبي الأمين، وعلى خلفائه الراشدين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.