ختام رمضان وصلاح النفوس 2/10/1426هـ
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه، أما بعد: فتقبل الله منا ومنكم، وعيد سعيد، ثم أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خير زاد فالليالي والأيام تمضي، وهكذا رحل رمضان، شهر الصبر وتربية النفس، رحل رمضان وقد كشف وأثبت بالدليل القاطع والبرهان، أن في نفوسنا خيراً كثيراً، وأننا قادرون على أن نفعل الكثير لنا ولأمتنا، فنفوس شهر كامل وهي تمسك عن شهواتها أكثر من نصف النهار وهي راضية صابرة محتسبة، لهي نفوس أبية. نفوس شهر كامل وهي قائمة، ساعاتٍ كل يوم وهي تصلي وتعبد، وتركع وتسجد، لهي نفوس عليّه. نفوس شهر كامل وهي تبذل وتعطي وتعطف على الفقير والمسكين، لهي نفوس سخيّة. نفوس شهر كامل وهي تعيش مع القرآن تقرأه وتسمعه، وهي في دعاء وبكاء وصفاء لهي نفوس ربانية. فإذا كانت هذه النفوس أبية وعليّة، وسخية وربانية، فلم هي كأمةٍ تُعطي الدنية، وتفقد الهوية؟ فما الأمر؟ وما السر؟ حين مسها الضر؟ نعم يا أمة الإسلام أنت مهيئة للقفز للأمام؟ فالأسباب مواتية:دين قوي،واقتصاد قوي،ورجال وعقول وطاقات؟ لكن إمامة الدين لا تُنال إلا بالصبر واليقين، ورمضان مدرسة الصبر الأولى، ولقد عشنا في رمضان غايتنا الرحمن، أعمالنا صيامنا قيامنا كانت إيماناً واحتساباً بمشيئة الله، ولو كانت هذه الغاية واضحة لنا ومطلبنا على مدار العام كما هي الآن في رمضان، لكنا شامة في الورى:
فإذا هي اجتمعت لنفس حرة بلغت من العلياء كل مكان
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}(النور 55) إنه التوحيد والإيمان، الذي ذقنا حلاوته في رمضان، فالفضل عند الله ليس بصورة الأعمال بل بحقائق الإيمان
والله لا يرضى بكثرة فعلنا لكن بأحسنه مـع الإيمان
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، إنه العمل الخالص لله، توحيد الله {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}وظلم هنا يعني: الشرك، فنص في القرآن أن السبب الأول للأمن هو الإيمان الخالص، وليس بيننا وبين الله نسب، فالفتن والمحن تحيط بنا، وهي نذر لنا أنشكر أم نكفر، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}[العنكبوت 67) إذاً فقد كشف رمضان عن الصبر والعزيمة في نفوسنا، علمنا أننا قادرون على الانتصار على أنفسنا؟ أننا نستطيع أن نعيش حياة الإيمان، ومن تأمل حالنا في الثلث الأخير من الليل في مساجدنا ونحن لُحْمة واحدة ساجدون راكعون، بل من تأمل المئات، وقد ملئوا الحرم والساحات، وهم في دعوات ودمعات، علم كيف أن المجتمع متى غلب عليه الصلاح والتعاون فهو قادر وبكل يسر على التصدي للأزمات وقمع المنكرات وهجر الشهوات.
والنمل تبني قراها من تماسكها والنحل يجني رحيق الزهر أعوانا
فأعظم درس يُهديه لنا رمضان، أنه متى عَمَّ الإيمان سفينتنا، فستسير بسلام وتقفز للأمام، ومن جد وجد، ومن سهر ليس كمن رقد، والفضائل تحتاج لوثبة أسد، فرجل الإيمان لا يسبح في البر، ولا يحرث في البحر، ولا يبذر في الصخر، لا ينسج خيوطاً من الخيال، ولا يبني قصوراً في الرمال، بل يعرف أهدافه وغاياته، وحدود قدراته وإمكانياته، فهل أنتم كذلك يا شباب الإسلام؟ فقد أثبت الكثير منكم نجاحه في رمضان، فهل عرفت أخي وجهتك، وجهزت عدتك، واخترت رفقتك؟ فأنت من عماد الأمة، وعماد الأمة بعقولهم وأعمالهم، وجدهم ونشاطهم، وليس بمظاهرهم وأشكالهم، فما كل من حَسُن منظره حسن مخبره، فيامن لبست الجديد في العيد، صارح نفسك لا تحيد، كم تبذل للباس الجسد، وكم تبذل للباس العقل والفكر، أتفخر بلباسك؟ أتغتر بهندامك، يا هذا! أفضل الملبوس: الحرير، وهو صنع دودة! فبم تفتخر؟ أفق من سكرتك، واعتنِ بنفسك وثقافتك؟! أتحسب الحياة أنها فقط لباس وموضات، ومائدة طعام وشهوات؟ هيهات هيهات، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، فتنبه أخي فأنت بعقلك، وعقلك بعلمك، فكن عاقلاً، واكس نفسك بحلية العلم والأدب والرجولة، دخل أعرابي رث الهيئة في عباءة خَلقة على معاوية فأخذ ينظر إلى عباءته. فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! إن العباءة لا تكلمك، إنما يكلمك من فيها.
عجبت لمن ثوبه لا مع ولكنما القلب كالفحمةِ
مظاهر براقة تـحتها بحار من الزيف والظلمةِ
التجمل والتطيب ولبس النظيف مشروع، ولكن هناك من تشرئب إليه الأعناق إلا أنه خائر بائر لا خير فيه، وإن لبس أحسن الثياب، ونافس بزينته الشباب! ألست تقرأ في القرآن: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ}(الأعراف 26)، قال ابن عمر: الله أحق أن يتُزين له، وهاقد زينتم الظاهر، وهو لا يكتمل إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب، فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئاً"اهـ، فجمال الظاهر فقط لا يصنع أمة، ولا يكشف غمة، ولا يُزيل ظلمة:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عُرياناً وإن كان كاسياً
ويا رُبَّ كاسٍ في الدنيا عارٍ في الآخرة! ويا رُبَّ كاسٍ من الثياب عارٍ من الآداب! إن أمة تتربى على مجرد المظاهر والكماليات والترف، فعرشها من ورق، مهما أنشأت من المعاهد والجامعات، والمدارس والكليات، فما يغني الأعمى معه نور الشمس لا يُبصرها، بل إن بعض الآباء والأمهات مثلٌ سيئ للأولاد والبنات، قد لاح في عارضيه الشيب وهو عبد للدرهم والدينار، ولهثان لا ينقطع وراء الكماليات واللذات .
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه
والكثير عوّده أبواه حياة الترف والكسل، فيا ليتنا نكسي نفوس أولادنا كما نكسي أجسادهم؟! ويا ليتنا نجتهد في تعليمهم الأخلاق والآداب كما نجتهد لهم في توفير الطعام والثياب، لقد تربى الكثير منهم على المبالغة بالمظاهر، حتى كثرت صيحات الغيورين والغيورات من الإسراف في اللباس والموضات؛ تعرياً وتفسخاً وتشبهاً وتقليداً، خاصة بين الشباب من الجنسين؟ فمن المسؤول؟ ومن الجاني؟ ومن المجني عليه؟ هل حقاً يجهل شبابنا أن اللباس له أحكام وآداب شرعية، وأن العلماء عقدوا لها كتباً وأبواباً خاصة في مصنفاتهم؟ أيها الآباء والأمهات! هل يعرف أبناؤكم وبناتكم الحلال والحرام في اللباس؟ فإن فئة من أبناء المسلمين وبناتهم هم عرايا الجسد والنفس معاً؟ فلا لباس التقوى والعلم، ولا لباس السوءة الشرعي، ملابس خالعة، وسهرات فاضحة، وأغان ماجنة، وأفلام آثمة، وذبح صارخ للفضيلة، تعرضه وسائل نشر كثيرة، تدفع إلى الإثم دفعاً، وتدُعُّ إلى الفاحشة دعّا، مقياسها: ملابس مؤنقة، وعطور منعشة، وقصات مائلة .
قيمة المرء عندهم بين ثوب باهر لونه وبين حذاء
فلا تغرنكم المظاهر، وابلُ الرجال بالأعمال، وإنما تُنصر الأمة بضعفائها بصلاتهم ودعائهم، فأف لنفوس لا تعتني إلا بالظاهر!! وإنما ذكرت اللباس كمثال على تربية شباب الأمة، بل الأمة كلها على الاهتمام بالمظهر دون المخبر، يقول صفوان بن سليم: "ليأتين على الناس زمان تكون همَّةُ أحدِهم فيه بطنه، ودينه هواه". عباد الله! إنه طوفان الترف والشهوات، وابتلاء السراء أشد فتنة من ابتلاء الضراء، {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} ثم ضرب الله لها مثلاً عجيبًا بمطر نزل فأنبت، فيبس النبات فطارت به الريح وهكذا دنياكم {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ -أي : الزراع- نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} والناس فيها بين معتبر ومغتر والنتيجة في الآخرة: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان، فالحل كما تُقرره الآيات: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} وبعض الناس إذا سمع مثل هذا الكلام ظننا أننا نطالبه بالزهد السلبي، بل خذوا من الدنيا زينتها، وخذوا من حلالها ماشئتم، هكذا جبلت النفوس، {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} لكن ألا يمكن أن نجمع بين زينة المظهر والمخبر، بين جمال اللباس والمركب والمسكن وجمال النفس والعلم والخلق، إننا نحذر من الإفلاس الإيماني والمعرفي والأخلاقي، ونحذر من حرام الدنيا وخبثها وفتنتها، فإن علة العلل في حياة المسلمين اليوم هو الرضا بالدون والركون، وقد وصف النبي r الداء والدواء فقال: (( لَئِنْ تَرَكْتُمْ الْجِهَادَ وَأَخَذْتُمْ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ وَتَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ لَيُلْزِمَنَّكُمْ اللَّهُ مَذَلَّةً فِي رِقَابِكُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنْكُمْ حَتَّى تَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَتَرْجِعُوا عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ)) إذاً هي الشهوات وتضييع الأوقات، والكسل والترف الذي اُغرقنا فيه، وأصبحنا أسرى لها لا نستطيع حتى فكاك أنفسنا، إنه الهوان وحب الدنيا، والحل ليس في بغض الدنيا أو طلاقها، فهذا يبدو مستحيلاً، لكنه في تسخير الدنيا للدين، وجعلها مزرعة للآخرة، وتربية النفوس على هذا المعنى العظيم! وهذا يحتاج لمشاريع إصلاحية، يقوم بها رجال أمناء أوفياء عقلاء، فليس كل من امتطى صهوة الإصلاح مصلح، {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: عباد الله! اتقوا الله، واهنَؤوا بعيدكم، واستثمروا إشراقة الروح، قبل أن تنطفئ، واحرصوا على الاستمرار في الأعمال، فصوموا ستًّا من شوال، وواصلوا قراءة القرآن، وحافظوا على صلاة الوتر والقيام، واعلموا أن رب رمضان رب بقية الشهور والأيام، وداوموا على الأعمال، فقليل دائم خير من كثير منقطع، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، اللهم وكما ختمت لنا شهر رمضان فتقبل منا ما قدمناه من الصيام والقيام، واغفر لنا ما اقترفناه من التقصير والآثام، اللهم انصر المسلمين المستضعفين، وكن عوناً لهم يا رب العلمين، وانتقم لهم من الظالمين، اللهم انصر جندك وكتابك وسنة نبيك، وأعل كلمة الحق، اللهم أصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ألف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم، واجمع كلمتهم على التوحيد يارب العالمين. اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم وسلم على النبي الأمين، وعلى خلفائه الراشدين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.