استسقاء 25 (2) في 24/10/1425هـ
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله والله أكبر، كلَّمَا تنفَّسَ صبحٌ وأَسْفَرَ، وكلَّمَا أرعدَ بارقٌ وأمطرَ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ]أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[[الأعراف:54]. وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الأمين، أرسله الله رحمةً وبشرى للعالمين، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد: فأوصيكم -أيّها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، إذ بها الملتزَم، وعليها المعوَّل والمعتَصم، فبتقوى الله سبحانه تصلُح الأحوال، وتحسُن العاقبة ويحلو المآل. ألا فاتقوا الله عبادَ الله، واعلموا أنّ الأجلَ منقوص، والعملَ محفوظ، فلِلَّه كم من دائب مضيِّع، وكم من كادِح خاسر، فنحن في زمنٍ ضعف وشره، فقد كثر الطَّمَع، واشتدَّ الجشع، وظهر الربا، وكثُر الغشّ، وشاعتِ الرِّشوة، وعمَّ الغُلول، وطغى النفاق، وانتشرَ الكذب والرياء والسمعة، واعتلت صيحات المتمرِّدين عن دينهم، والمستهترين بشريعتهم، وقلَّ الغيورون المنكرون، والناصحون الجادون، إلاَّ من رحم ربّي، وقليلٌ ما هم، فكان ما نرى: خفاءٌ في الحقّ، وخمولٌ في الذكر، وقسوةٌ في القلب، ووحشةٌ بين العبد وبين ربِّه، ومنعٌ لإجابة الدعاء، وضنكٌ في المعيشة، ومَحْقٌ في البركةِ والرزق والعمُر، وحرمانٌ في العلم؛ وهذه كلها تتولَّد من معصيةِ الله، ومِن الغفلة عن ذكره، كما يتولَّد الزرع من الماء، فاستبدَل أقوامٌ شرًّا بالذي هو خير، وجهلاً بما هو عِلم ونُور، وانتظَروا بسُوء أفعالهم الغِيَر انتظَارَ المجدِب المطرَ من السماء، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، هو المستعانُ وعليه التّكلان. نستغفرُ الله، نستغفرُ الله، نستغفرُ الله. اللهُمَّ إنَّا نستغفرُكَ إنّكَ كنتَ غفَّارًا، فأَرسلِ السماءَ علينَا مِدرارًا . أيّها المسلمون! المطر جند من جنود الله، أهلك الله جل وعلا بهذا المطر الذي نراه سهلاً يسيرًا عذبًا زلالاً بل نستسقي من أجله، أغرق الله جلَّ وعلا بهذا المطر أقوامًا تمردوا على شرع الله، وفسقوا وظلموا؛ فكان عاقبتهم أن سلط الله عليهم هذا الجندي، فأغرق القوم، قال الله تعالى: ]وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ()وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ()قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ()وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[. سبحان الله! هذا المطر كان هنا وبالاً على الظالمين الكافرين، وكان أيضًا جندًا من جنود الله، ووقف في صفِ الجيوشِ المسلمة كما حصل في غزوة بدرٍ: ]إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ[. سبحان الله! على الفلبين إعصار ودمار، وموت وهلاك، وعلى أراض أخرى ربيع وخضرة، وسلام ونعمة، فسبحان مصرف الأمور والأحوال، أهي مجرد صدفة؟ إنها إرادة أحكم الحاكمين، ومن هو على كل شيء قدير. إرادة من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فهل ندّكرُ ونعتبرُ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا! قال ابن القيم رحمه الله وهو يتحدث عن نزول المطر من السحاب على الأرض: " فيرشُ السحاب على الأرض رشًّا، ويرسله قطرات منفصلة، لا تختلط قطرة منها بأخرى، ولا يتقدم متأخرها، ولا يتأخر متقدمها، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمتزج بها، بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها، لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرة قطرة، قد عينت كل قطرة منها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غيره، فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا قطرةً واحدةً أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه..-ثم قال رحمه الله- فتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقًا للعباد والدواب والطير والذر والنمل، يسوقه رزقًا للحيوان الفلاني، في الأرض الفلانية، بجانب الجبل الفلاني، فيصل إليه على شدة الحاجة والعطش في وقت كذا وكذا".انتهى كلامه رحمه الله. (مفتاح دار السعادة 2/36).
أيها المؤمنون! تذكروا وتفكروا، كيف جعل الله للناس مع الماء أحوالاً متعدِّدة؟! فقد جعل مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ؛ ليختبر عبادَه ويبتليَهم؛ أيشكرون أم يكفرون؟ فأنزله سبحانه من المزنِ ليشربُوا امتنانًا من الباري سبحانه على عباده،]أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاء ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ() أَءنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ()لَوْ نَشَاء جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ[(المعارج 68-70) وجعل سبحانه الماءَ مِحنةً وبلاءً وعقوبةً، يُرسلها للعاصين من عباده، والمعرضين عن هديه وشريعته؛ كما فعل جلّ وعلا بقوم نوح وقوم سبأ، فقال سبحانه عن قوم نوح: ]فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ()وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى ٱلمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ[(القمر 11-12) وقال عن قوم سبأ: ]فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ[[سبأ: 16] وقد جاء في مسند أحمد أنّ النبيَّ r قال: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُمْطَرَ النَّاسُ مَطَرًا لَا تُكِنُّ مِنْهُ بُيُوتُ الْمَدَرِ، وَلَا تُكِنُّ مِنْهُ إِلَّا بُيُوتُ الشَّعَرِ)). كما جعل سبحانه من أحوالِ الماء أن ينزَّل من السماء فتكونُ الأرض له كالقيعان، لا تحبسُ ماءً ولا تنبِتُ كلأً، وهذه الحالُ هي السَّنَة التي ذكرها النبيُّ r بقوله: ((إِنَّ السَّنَةَ لَيْسَ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا مَطَرٌ، وَلَكِنَّ السَّنَةَ أَنْ تُمْطِرَ السَّمَاءُ وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ)). كما جاء في المسند أيضًا ما يدلّ على أن قلَّةَ الأمطار وشحَّها وعدمَ الإنبات من علامات الساعة، فقد قال أنس t: ((كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا تُمْطِرَ السَّمَاءُ، وَلَا تُنْبِتَ الْأَرْضُ، وَحَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ))(3). ثمّ إن البركةَ كلَّ البركة -عبادَ الله- في نزول المطر الذي تَنبُت به الأرض، وتحيى به الموات، كما قال تعالى: ]وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء طَهُورًا لّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَـٰمًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا[ (الفرقان48-49).
عبادَ الله! إنّكم شكوتُم جدْبَ دياركم واستئخارَ المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعُوه، ووعدَكم أن يستجيبَ لكم، ولقد كان آباؤنا وأجدادنا يخرُجون للاستسقاء تائبين منيبين راجين، فكان لا يخلُفهم المطرُ غالبًا، ولربّما نزل عليهم وهم في مصلاَّهم، ولقد كانوا مع فقرِهم وقلَّةِ ذات اليد عندهم أكثرَ بركةً منَّا وأوسعَ عافية، وذلك بسبب قربهم من الله، وقلّة معاصيهم، وشيوع العدلِ بينهم، والفرار من الظُّلم فرارَ الصحيح من الأجرب، فلذلك حصل لهم ما حصَل من سَعَةٍ في الدين، وبركةٍ في الرزق، ولقد قال أبو داود صاحب السنن في سننه عن نفسه: "شبرتُ قثّاءَةً بمصر ثلاثةَ عشر شبرًا، ورأيتُ أترجَّةً على بعير بقطعتين، قُطعت وصُيِّرت على مِثل عِدلين". وذكر المحدِّث الحافظ مَعمر بن راشد أنّه رأى باليمن عنقودَ عنب ملءَ بغلٍ تامّ. وقد جاء في مسند أحمد أنه وُجد في خزائن بني أميّة حِنطةٌ الحبَّةُ بقدر نواةِ التَّمر، وهي في صُرَّة مكتوب عليها:" هذا كان ينبُت في زمنِ العدل". فالخيْر والبركة والوفرة أمورٌ مرهونة بالعدل، والحكمِ بشريعة الله، ورفع المظالم عن الناس، وإقامة الحدود كما أوجب الله جلّ وعلا؛ ولذلك جاء في صحيح مسلم حكايةُ ما يكون في آخر الزمان عند خروج المهديّ حينما يملأ الأرضَ قِسطًا وعدلاً كما مُلِئَتْ ظلمًا وجَورًا، فتحصلُ البركات، وتكثر الخيرات، حتى إنَّ قشرةَ الرمانَةِ يستظلّ بها الجماعة من الناس. نستغفرُ الله، نستغفرُ الله، نستغفرُ الله. اللهُمَّ إنَّا نستغفرُكَ إنّكَ كنتَ غفَّارًا، فأَرسلِ السماءَ علينَا مِدرارًا ، اللَّهُمَّ أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغنيّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهُمَّ أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهُمَّ أسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا طبقًا غدقًا مجلِّلاً، عاجلاً غير رائث، اللهمّ أسق عبادك وبهائمَك، وانشُر رحمتك، وأحي بلدك الميت. اللَّهُمَّ إنا خرجنا إليك من بين البيوت والأستار والأكنان، بعد عجيج البهائم والوديان، راغبين في رحمتك، وراجين فضلَ نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك، اللَّهُمَّ فأسقنا غيثَك، اللَّهُمَّ فأسقِنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بذنوبنا وغفلتنا وتقصيرنا، ولا تؤاخذنا اللَّهُمَّ بما فعل السفهاء منّا يا أرحم الراحمين. اللَّهُمَّ إنا خرجنا نشكو إليك ما لا يخفى عليك، فقد ضاقت الطرق، وأظلمت الأفق، وقست القلوب، وكثرت الذنوب، وأجدبت الأرض، وتلاحمت علينا الفتن من كل حدب وصوب، فمن لنا إلا أنت، رحمن الدنيا والآخرة، لا إله غيرك، ولا معبود بحق سواك، أنت ربنا، ليس لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، أنت المرجو وأنت المدعو، وأنت المرتجى وأنت الملتجى، فانشر اللَّهُمَّ علينا غيثك وبركتك ورزقَك ورحمتك، اللَّهُمَّ أسقنا سُقيًا نافعةً مُرويةً مُعْشِبةً، تنبتُ بها ما قد فات، وتحيي بها ما قد مات، تروي بها الأودية والقيعان، وتستورق الأشجار، وترخِص الأسعار، إنّك على كلّ شيء قدير اللَّهُمَّ إنّك تشاهدنا في سرّائنا، وتطّلع على ضمائرنا، وتعلم مبلغَ بصائرنا، أسرارُنا لك مكشوفة، وقلوبنا إليك ملهوفة، إن أوحشَتنا الغربةُ آنسَنا ذكرُك، وإن صُبَّت علينا المصائب لجأنا إلى الاستجارة بك، إنّنا عبيدُك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمُك، عدلٌ فينا قضاؤك، نسألك اللَّهُمَّ أن تنزّل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهُمَّ أنزل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، واجعل ما أنزلتَ لنا قوّةً وبلاغًا إلى حين. عباد الله! إن نبيكم حينما استسقى قلب رداءه، واستقبل القبلة، ودعا ربه، وأطال الدعاء، فاقتدوا به، وألحوا في الدعاء، فإن الله يحب الملحين في الدعاء، اسألوه أن يغيث قلوبكم بالرجوع إليه، وبلدكم بإنزال الغيث عليه. وصلوا وسلموا على خاتم الأنبياء والمرسلين، اللَّهُمَّ صلِّ على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ]سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ()وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ[ وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [ الخطبة: مختارات من خطبتي الشريم وناصر الأحمد في الاستسقاء، مع التهذيب والزيادة].