تهذيب التبسط في المهور وحفلات الزواج في 12/6/1430هـ
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره،ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا..أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، غير أن حقيقة التقوى: سلوك ومعاملة، وخوف من الله ومراقبة. أيها المؤمنون والمؤمنات: تؤكد الدراسات أن عدد الفتيات اللاتي تخطين سن الزواج قد بلغ أكثر من مليون ونصف مليون فتاة في عشر مدن فقط من بلادنا، هذا عدا ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمع وبشكل مزعج ومخيف. وفي المقابل: هذه صرخات شباب من أبنائنا وفلذات أكبادنا، واسمحوا لي بنقلها بألفاظها الدارجة على ألسنتهم:أحدهم يقول:( أقسم بالله العظيم في هذا الوقت الفضيل في ثلث هذا الفجر أني أفحط على الزواج وأريد إعفاف نفسي لكن المادة حالت بيني وبين شبابي،وعمري ست وعشرين سنة، وأنا متأكد أني سأتجاوز الثلاثين وأنا عزوبي.."،والثاني يقول:" شروط الزواج وغلاء المهور في المرتبة الأولى للعنوسة.."،ويقول الثالث:"..عندك وظيفة شوف المهر، عندك مهر شوف الشروط، اتقوا الله يا مسلمين هذا سبب العنوسة، وسبب حرمان الشباب من الزواج.."،ورابع يقول:" والله إني أرغب بالزواج لكن ما عندي وظيفة صار عمري خمس وعشرون، وسيصل لأربعين، والله يعين"، وخامس يقول:" العيب في عقول الناس مع الآسف كم بنت عانس أو مطلقة عندما تطرق بابها فتحت عليك وأهلها طلبات وفلسفة لا تنته..". وسادس يقول:" يجب توعية الآباء لأنهم يبيعون بناتهم ولا ينظرون إلى الشرع فالجشع والطمع أعمى عيونهم .."، هذه من آهات و صرخات الشباب وغيرها كثير، ذكرتها من باب إيصال صوت الشباب عبر هذا المنبر، رغم أن الجميع يعلم أن هناك أسبابًا عدة للعنوسة والطلاق، وليس سبب واحد، رأيت اليوم أن نتحدث ونركز على سبب واحد لأهميته ولأننا قادمون بعد أسابيع على موسم الزيجات والحفلات، فلعل التوجيه والتذكير فيها من الآن ينبه ويوقظ الغافلين، ويعين ويشجع الذاكرين، ولعلي أبدأ بالمظاهر الإيجابية التي تشكر وتشهر فما نراه ونسمعه لدى فئة واعية عاقلة من الناس في التبسط في حفلات الزواج وتسهيل أمره في البيوت والاستراحات بعيداً عن الإسراف والتباهي الذي عم وطم في الفنادق وقصور الأفراح هنا وهناك، وانتشار تيسير المهر والرضى بالقليل منه ظاهرة أخرى تحمد وتنشر حتى سمعنا من الآباء من رد المهر بعد أن أخذ منه القليل ..، ومن حق هؤلاء الشكر لهم والدعاء والثناء، وإشهار مثل هذه المظاهر وكثرة الحديث عنها في المجالس والمنتديات، لأن فيه علاجًا عمليًّا واقعيًّا لمشكلة المبالغة والمغالاة في المهور وحفلات الزواج والتي تضجر الناس وعقلاؤهم منها، لما سببته من المفاسد الكثيرة التي منها تأيم كثير من النساء بسبب عجز كثير من الرجال عن تكاليف الزواج، ونجم عن ذلك مفاسد كثيرة متعددة من انتشار الزنا والمعاكسات والخلوات ونحوها. مما يستدعي تحرك الجميع وخاصة ولاة الأمور والعلماء والأعيان والعقلاء للمحافظة على عورات المسلمين وإحصان فروجهم ووضع حد لهذا الأمر الذي تباه فيه الناس حتى خرجوا فيه عن الحد المألوف المرغب فيه من الرسول إلى مستوى لا يستطيع الكثير من الناس معه إعفاف فروجهم، ووقفت على كلام نفيس للعلامة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في الموضوع أنقله بتهذيبات وزيادات مناسبة، يقول:"..تخفيف الصداق وعدم تكليف الزوج بما يشق عليه مأمور به شرعا باتفاق العلماء سلفا وخلفا، وهو السنة الثابتة عن النبي ، وذكر الإمام الموفق ابن قدامة في (المغني): استحباب عدم المغالاة في الصداق والأحاديث الواردة في ذلك منها ما روي عن عائشة، عن النبي أنه قال:"أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً)) رواه أحمد في المسند، ومنها: ما رواه أبو العجفاء قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: " أَلَا لَا تَغْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهِ النَّبِيُّ r، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ r امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُغْلِي بِصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ كُلِّفْتُ لَكُمْ عِلْقَ الْقِرْبَةِ"، أخرجه النسائي وأبو داود مختصرا. ثم قال الموفق: ولا تستحب الزيادة على هذا- يعني صداق النبي لأنه إذا كثر ربما تعذر عليه فيتعرض للضرر في الدنيا والآخرة) انتهى. وعقد الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد" فصلا خاصا بقضائه في الصداق قال فيه: ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ". وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ r نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً" قال الترمذي: حديث حسن صحيح..اهـ
وفي سنن أبي داود من حديث جابر، أن النبي قال:" مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلَّ "وفي الترمذي: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ فَأَجَازَهُ".. قال الترمذي حديث صحيح. وفي الصحيحين وغيرهما: أن امرأة جاءت إلى النبي فقالت: يا رسول الله: إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: إِزَارُكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا، قَالَ: مَا أَجِدُ، قَالَ: فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ: فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ" ثم قال ابن القيم:فتضمنت هذه الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنعلين يصح تسميتها مهراً وتحل به الزوجة. وتضمنت أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعسره..- إلى أن قال- : ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصاً بالنبي وأنها منسوخة أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم عليها دليل والأصل يردها. وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن المسيب ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد، بل عد ذلك من مناقبه وفضائله، وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم وأقره النبي . وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم على حديث عائشة في صداق النبي : استدل بهذا الحديث على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم..ا.هـ، وخمسمائة الدرهم: اثنتي عشرة أوقية ونصف، لأن الأوقية أربعون درهماً، والدرهم نصف مثقال وخمس مثقال؛ فعشرة الدراهم سبعة مثاقيل وهي تساوي من الريالات العربية مائة وأربعين ريالاً تقريباً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الاختيارات:كلام الإمام أحمد أن يكون الصداق أربعمائة درهم، وهذا هو الصواب مع القدرة واليسار، فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه.أ.هـ. وقد نص العلماء على أن الزوج إذا تكلف من المهر أو الصداق ما لا يقدر عليه ولا يتناسب مع حاله استحق الإنكار عليه؛ لأنه فعل شيئاً مكروهاً، ولو كان ذلك الصداق دون صداق النبي ، فقد روى مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r: ((هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا)) قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: ((عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا)) قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r: ((عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ. قال النووي في شرحه لهذا الحديث: معنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج. وقال أبو المحاسن في (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار):الحق أن الإنكار على من زاد على المقدار الذي يناسب حاله وحالها؛ لأنه من الإسراف المذموم، لا عن مطلق الزيادة فإنها مباحة.أ. هـ. وغالب الشباب اليوم مساكين يتكلفون ويزيدون على المقدار الذي يناسب حالهم، فتجدهم يتراكضون على أبواب الجمعيات والمحسنين مضطرين لسد ما يُطلب منهم من المهور وتكاليف حفلات الزواج وغير ذلك مما انتشر بين الناس اليوم، روى أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم في المستدرك عن أبي حدرد الأسلمي: أنه أتى النبي يستعينه في مهر امرأة قال:"كم أمهرتها".. قال: مائتي درهم..قال:"لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم"..قال في مجمع الزوائد:رجال أحمد رجال الصحيح.عباد الله: ومما لاشك فيه أن الزواج أمر مشروع مرغوب فيه، وفي غالب الحالات يصل إلى حد الوجوب كما هو حال زماننا هذا زمن تتفجر فيه براكين الشهوات من كل اتجاه حتى كثرت الصرخات والآهات والتوجعات من الشباب ومن الجنسين، فأغلبهم لا يتمكن من الزواج مع وجود هذه المغالاة في المهور والحفلات. ومن المعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن هذا يؤخذ مشروعية إرشاد الناس وردعهم عن التمادي في هذا الأمر الذي يحول دون المرء ودون فعل ما أوجبه الله عليه، لا سيما والأمر بتقليل المهر لا يتضمن مفسدة، بل هو مصلحة محضة للزوج والزوجة، بل هو أمر محبوب للشارع مرغب فيه كما تقدم،وقد يعترض البعض أن فيه مفسدة التساهل من الزوج في أمر لم يتكلف فيه كثيراً، وهذا الاعتراض له وجاهة لكن علاجه ليس بمخالفة الشرع وغلاء المهور بل بالتوجيه وحسن الاختيار، فكثرة المهر إن كان فيه شيء من المصلحة للمرأة وأوليائها فإنما يترتب على ذلك من المفاسد ما يربو على تلك المصلحة إن وجدت، والقاعدة الشرعية تقول: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ثم إن امتناع ولي المرأة من تزويجها بالكفء إذا خطبها ورضيت به إذا لم يدفع ذلك المهر الكثير الذي يفرضه من أجل أطماعه الشخصية أو لقصد الإسراف والمباهاة أمر لا يسوغ شرعا، بل هو من باب العضل المنهي عنه الذي يفسق به فاعله إذا تكرر،وتنتقل بسببه الولاية إلى غيره، وفي حالة عضل الأولياء كلهم فلولي الأمر أن يتدخل ويتولى التزويج بنفسه. أيها المؤمنون والمؤمنات: لاشك أن كثرة المهور والمغالاة فيها عائق كبير أمام الشباب، والزواج هو الباب الشرعي والأمثل لمشكلة الشهوة التي لا يكاد يسلم منها أحد في هذا الزمن، فإذا صعّبنا باب الحلال في زمن كثرت فيه منافذ ووسائل الغواية، فيقيناً سينجم عن ذلك مفاسد كثيرة وتفشٍ للمنكرات بين الشباب والفتيات، والوسائل لها حكم الغايات، والشريعة المطهرة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ولو لم يكن في السعي في تقليل المهور إلا سد الذرائع المسببة فعل المحرمات لكفى. ذكر العلامة ابن القيم في (أعلام الموقعين) فصلا في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، وذكر في هذا الفصل أن أساس الشريعة ومبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وأنها عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.أ.هـ.ولا يخفي ما سببته المغالاة في المهور والمباهاة في حفلات الأزواج من المفاسد، فكم من حرة مصونة عضلها أولياؤها وظلموها فتركوها أيما بدون زوج ولا ذرية، وكم من امرأة ألجأها ذلك إلى الاستجابة لداعي الهوى والشيطان فجرت العار والخزي على نفسها وعلى أهلها وعشيرتها مما ارتكبته من المعاصي التي تسبب غضب الرحمن!،وكم من شاب أعيته الأسباب فلم يقدر على هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان فاحتوشته الشياطين وجلساء السوء حتى أضلوه وأوردوه موارد العطب والخسران، فخسر أهله، وفسد ا تجاهه، بل خسرته أمته ووطنه، وخسر دنياه وآخرته!. وأما قول الله تعالى في الآية العشرين من سورة النساء:"{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا}، فغاية ما يدل عليه جواز دفع القادر للقنطار، لا تكليف من عجز عنه ومنع الرجل موليته من النكاح بالكفء إلا إذا بذله؛ قال أبو حيان في (البحر المحيط): قال قوم لا تدل على ذلك- أي على إباحة المغالاة في الصداق- لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثير، كأنه قيل: وآتيتم هذا المقدار العظيم الذي لا يؤتى لأحد،وهو شبيه بقوله :" مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ"ومعلوم أن المسجد لا يكون كمفحص قطاة، وإنما هو تمثيل للمبالغة في الصغر، وقد قال لمن أمهر مائتين وجاء ليستعين في مهره وغضب وقال:"كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة".وأما القصة المروية عن عمر بن الخطاب t في قوله من على المنبر:"أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم،فلا أعرفن ما زاد الرجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم... قال: ثم نزل،قيل: فاعترضته امرأة من قريش فقالت:يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، فقالت: أما سمعت قول الله تعالى:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا}.فقال:اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فقال: أيها الناس إني نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب فليفعل،قال: قال أبو يعلي وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل.ا.هـ. فالجواب عنها: أن زيادة اعتراض المرأة عليه لها طرق لا تخلوا من مقال(1) وعليه: فهي لا تصلح للاحتجاج ولا لمعارضة تلك النصوص الثابتة المتقدم ذكرها، لا سيما وأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة مخالفة عمر أو الإنكار عليه غير ما جاء عن هذه المرأة، وحينئذ فكلام عمر وهو المحدث الملهم إذا خلا من هذه الزيادة فموافق لتلك النصوص وملزم بالعمل بها،وقد قال النبي :" فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" "،وقال:" اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". فهيا معاشر المسلمين: نتعاون على فعل كل الأسباب التي من شأنها القضاء على الإسراف والبذخ والتطاول من تلك التكاليف التي كان لها السبب في المغالاة في المهور:كالإسراف في الولائم،والأثاث، والملابس والكوفيرات والأغاني ونحوها.هيا لنكتفي بوليمة واحدة لا إسراف فيها، سواء كانت عند الزوج أو عند أهل الزوجة حسبما يحصل الاتفاق عليه، مع أن أصل شرعيتها من جانب الزوج. يا أولياء الأمور: اتقوا الله في أنفسكم و فيمن ولاكم عليهن من البنات والأخوات وغيرهن وفي شباب المسلمين، واسعوا جميعا لتحقيق البر في المجتمع، ودفع أسباب انتشار الفساد والجرائم ولا تجعلوا نعمة الله عليكم سلما إلى عصيانه وتذكروا دائما أنكم مسؤولون ومحاسبون على تصرفاتكم كما قال تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الحجر:92-93] وبادروا إلى تزويج أبنائكم وبناتكم مقتدين بنبيكم وصحابته الكرام والسائرين على هديهم وطريقهم واحرصوا على تزويج الأتقياء ذوي الأمانة والدين، واقتصدوا في تكاليف الزواج ووليمته ولا تغالوا في المهور يبارك الله لكم في أفراحكم، ويؤلف بين قلوبكم، ويخلف عليكم أموالكم إذا علم ما في قلوبكم من التيسيير والتسهيل، واتباع شرعه، بل ويوفق ويسعد أولادكم فإن أكثرهن بركة أقلهن مهراً. بارك الله لنا ولكم ولسائر المسلمين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:يا أهل الزوجين.. أيها العروسان: إن أردتم زواجاً ناجحاً، وتوفيقاً وجمعاً بين القلبين فعليكما بما يرضي الله..فمن الذي بيده التوفيق غير الله؟ من الذي بيده جمع القلوب..إنه الله؟ من القادر على التأليف بين النفوس..أليس الله؟ إذاً فاحرصوا على فعل أسباب نجاح الزواج
وتجنبوا كل ما يغضب الله من منكرات الأفراح التي كثرت وانتشرت اليوم بين الناس. سأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ،وأن يكفينا شر المبطلين والمفسدين ونسأل الله أن يبارك لكل متزوجين، وأن يجمع بين قلبيهما بخير، اللهم واجمع بين القلوب والنفسيات،برحمتك يارب الأرض والسموات،اللهم احفظ الإسلام والمسلمين، وعليك بأعداء الدين، وانصر عبادك الصالحين،ووفق ولاة أمور المسلمين لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين،اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحبه وترضاه،وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة ، واجمع كلمتهم على التوحيد والقرآن، اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين بالأمن والإيمان، واشف مرضى المسلمين ، واقض الدين عن المدنين، وفرج هم المهمومين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.