شعبان والاستعداد لرمضان في 21/8/1429هـ
الحمد لله حمدَ من خافه واتقاه، وأشكره على ما أفاض من نعمه وأولاه، وصلـى الله وسلم وبارك على عبده ومصطفاه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن والاه: أما بعد، اتقوا الله عباد الله، وجاهدوا أنفسكم وحاسبوها، فها قد دخل شعبان وما بقي منه سوى أيام، وكثير من الناس عنه غافلة، عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)) [رواه النسائي]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:".. وَكَانَ أَحَبُّ الصَّوْمِ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فِي شَعْبَانَ"[رواه الإمام أحمد]. وعائشة رضي الله عنها تقول:".. وَمَا رَأَيْتُهُ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ".[رواه البخاري ومسلم]. وفي رواية عند الترمذي قالت: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ"، وفي رواية لأبى داود قالت: "كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ".وهذه أم سلمة رضي الله عنها تقول:((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ)).ولشدة معاهدته صلى الله عليه وسلم للصيام في شعبان، قال بعض أهل العلم: إن صيام شعبان أفضل من سائر الشهور، إلا أنه يعكر عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ))[رواه مسلم]. وعند الإمام أحمد بسند صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ)). وذكر أهل العلم حكما في تفضيل التطوع بالصيام في شعبان على غيره من الشهور: منها: أن أفضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان، لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالنسبة للصلاة، فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ولذلك فإنك تجد رمضان يُسبق بالصيام من شعبان والاستكثار منه، ثم بعد انقضاء رمضان يُسن صيام ست من شوال، فهي كالسنن الرواتب التي قبل وبعد الصلاة المفروضة. ومن الحكم كذلك في الإكثار من صيام شعبان: ما تضمنه حديث أسامة بن زيد الذي تقدم ذكره، وفيه قلت: يا رسول الله! لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فبين له صلى الله عليه وسلم سبب ذلك فقال له:((ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان)) وقال أيضاً:((وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) إذاً فهذا الحديث تضمن معنيين مهمين: أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان. وأن الأعمال ترفع وتعرض على رب العالمين، فأما كون شعبان تغفل الناس فيه عنه، فإن ذلك بسبب أنه بين شهرين عظيمين، وهما الشهر الحرام رجب، وشهر الصيام رمضان، فاشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولا عنه، وبعض الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأن رجب شهر محرم، وهذا ليس بصحيح، فإن صيام شعبان أفضل من صيام رجب للأحاديث المتقدمة. وفي قوله:((يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان)) قال أهل العلم: هذا فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل، ولذا كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر كما قال: ((إن أفضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل)) ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يؤخر العشاء لنصف الليل، وإنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ؟ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: ((إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي؛ لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى)) [رواه مسلم]. وفي رواية: ((ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم)) وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بالذكر في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر، ولاستيلاء الغفلة على الناس، ولهذا لو نظرت إلى الفضائل والدرجات التي منحت للذاكرين في وقت غفلة الناس تجد شيئا عجباً، فهذا الرجل الذي يدخل السوق فيذكر الله، له أجر عظيم لأنه ذكر الله في مكان غفلة الناس، ولهذا قالصلى الله عليه وسلم: ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)) ومما يؤكد هذا المعنى ما دار بين طارق بن شهاب وسلمان الفارسي رضي الله عنه عندما بات طارق عند سلمان لينظر اجتهاده، قال: فقام يصلي من آخر الليل، فكأنه لم ير الذي كان يظن، فذكر ذلك له، فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم تصب المقتلة، فإذا صلى الناس العشاء صدروا عن ثلاث منازل، منهم من عليه ولا له، ومنهم من له ولا عليه، ومنهم من لا له ولا عليه، فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس، فركب فرسه في المعاصي فذلك عليه ولا له، ورجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فقام يصلي، فذلك له ولا عليه، ومن لا له ولا عليه: رجل صلى ثم نام، إياك والحقحقة، وعليك بالقصد وداومه" انتهى كلامه، والحقحقة: هو أن يجتهد في السير ويلح فيه حتى تعطب راحلته أو تقف، يشير إلى الرفق بالنفس. وهكذا الأجور المترتبة على الاشتغال بالطاعات وقت غفلة الناس كثيرة ومتنوعة، فتعرضوا لنفحات الله يا عباد الله، فإن هذه الأيام، ورمضانَ هذا العام يأتي في أوقات إجازة وسفر، وذهاب ومجيء، يغفل فيها الناس ويلتهون، وخاصة لشبابنا وأولادنا وبناتنا، فالفراغ قاتل بل ومدمر، وإن لم ننتبه ونعد العدة من الآن لبرامج تستوعب أوقاتنا وأولادنا خلال هذا الموسم الروحاني الإيماني، فإني أخشى فوات هذه الفرص الثمينة للتزود بالحسنات والتربية الايمانية للنفس، والذي هو أعظم ثمرات هذا الموسم العبادي، فهيا لنرسم البرامج ونخطط من الآن لإحياء أيامنا وساعاتنا القادمة بالطاعة والصيام والذكر وسائر أنواع الإحسان، وكما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الأجر على قدر النصب))، ومجاهدة النفس على الطاعات خاصة في أوقات غفلة الناس شاقة وشديدة، وتحتاج لهمة وإرادة، رغم أن مواسم العبادات يشجع الناس بعضهم بعضاً، ويتنافسون، والناس كأسراب القطا يتبع بعضهم بعضا، وكما قال عمر رضي الله عنه: "الناس أشبه بأهل زمانهم منهم بآبائهم". وخسارة كبيرة أن تتحول هذه الأيام وشهر رمضان لوقت غفلة فتشق الطاعات على النفوس، بسبب كثرة الصوارف والملهيات، فمع الإجازة والسفر والسهر، هناك القنوات الفضائية، والتي تتسابق في جذب الجماهير لشاشاتها عبر الدعاية والإعلان طوال شهر شعبان لمسلسلاتها وبرامجها الترفيهية، وكلنا يعلم أن النفوس غالباً ما تستولي عليها الغفلة والفتور، وتنشغل عن طاعة وعبادة ربها بهذه الملهيات والمحدثات، إلا من أعانه الله ووفقه للتمسك بدينه واتباع مراضي ربه ومولاه، والمحافظة على سنة وهدي نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، فكن منهم وتأمل هذه المعاني وقف معها وجاهد نفسك عليها وتواص بها مع أهل بيتك وأصحابك، أحببت الإشارة إليها هذه الأيام لأهميتها، خاصة وأن رمضان يتزامن هذا العام مع العطلة الدراسية، بل وسيظل هذا التزامن لعشر سنوات قادمة وفقاً لتصريحات المسئولين في وزارة التربية، مما يؤكد أهمية التنبه لسد فراغ المدرسة ببدائل وأفكار إيجابية تُستثمر فيها مثل هذه الأوقات الفاضلة والتي تختلف عن غيرها من الإجازات المعتادة، ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان؛ شُرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك، ويغتنم وقت غفلة الناس وهو من هو؟ صلى الله عليه وسلم، هو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك فإن السلف كان يجدّون في شعبان، ويتهيأون فيه لرمضان، قال سلمة بن كهيل:كان يقال شهر شعبان شهر القراء. وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران، قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، وقال أيضا: مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان، وها قد مضى رجب والكثير من شعبان، فما أنت فاعل فيما تبقى إن كنت تريد الفوز برمضان، وها قد سمعت حال نبيك وحال سلف الأمة في هذا الشهر المبارك، فاسأل نفسك وصارحها: ما موقعك من هذه الأعمال والدرجات؟!. أيها المسلمون: يتساءل كثير من الناس عن فضل ليلة النصف من شعبان؟ والتباس الأمر عليهم مع كثرة ما سمعوه مما بثته الفضائيات خلال الأيام الماضية بمثل هذه المناسبة، وتأصيلُ القول فيها، أنه ثبت في فضلها حديثان صحيحان ثابتان إلى المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه. أما الأول: فحديث أبي ثعلبة أخرجه الطبراني وغيره يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا كانت ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى جميع خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين, ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه)) .وأما الحديث الثاني: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وهو عند ابن حبان في صحيحه يقول:((يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)). فهذان الحديثان الثابتان لنا معهما أربع وقفات مهمة: الأولى: بين فيهما المصطفى أن ليلة النصف من شعبان يغفر الله عز وجل للمؤمنين, ويطلع عليهم إلا المشرك أو المشاحن, فمن أراد أن يفوز بهذا الأجر العظيم وهذا الفضل العظيم, فما عليه إلا أن يحقق هذين الشرطين, لست مطالبًا أيها المؤمن بتخصيصها بقيام ولا صيام فضلاً عن عمرة أو عبادة ونحو ذلك, كل ما أنت مطالب به أن تحقق التوحيد وأن تنقي قلبك من الشرك وشوائبه فإن الله يغفر في تلك الليلة لكل عباده إلا المشرك فتفقد نفسك يا عبد الله، وفتش باطنها، فإن إمامَ الحنفاءِ خليلَ الرحمنِ يخشى على نفسه الشرك، بل يخشى على نفسه وعلى بنيه عبادة الأصنام، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}، وقد بين إبراهيم ما يوجب الخوف من ذلك فقال: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ}. قال إبراهيم التيمي: من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يُخلصه منه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال: الرياء)) ومن عظيم فقه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد أن جعل بابا بعنوان: باب الخوف من الشرك ثم ساق الآيات والأحاديث في هذا المعنى، واعلموا رحمني الله وإياكم أن الشرك قسمان لا ثالث لهما, شرك في العبادة والقصد, وشرك في الطاعة والاتباع, والله عز وجل قد حذر نبيه بل وكل الأنبياء من الشرك، وأوحى إليهم بأن أعمالهم تحبط إن أشركوا، وهم الصفوة من الخلق فقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ثم يقول له: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ}.وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)).الوقفة الثانية في هذه المسألة: خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضا له لهوى في نفسه، لا لغرض شرعي ومندوحة دينية، فهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا))، وقد وصف الله المؤمنين عموما بأنهم يقولون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور، وسخاوة النفوس، والنصيحة للأمة. وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يعفو ويصفح، فأقِل يا عبد الله حتى تُقال. الوقفة الثالثة في المسألة: أن بعض الفضائيات أشارت لإحياء ليلة النصف من شعبان، والاحتفال بها، و هذا من البدع المحدثة التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبه ولا تابعوهم، وهم الحجة لمن أراد الحق وسواء السبيل وما ثبت في هذه الليلة من فضل هو ما جاء به النص مما قدمناه من أنك يجب عليك أن تحقق التوحيد الواجب، وتنأى بنفسك عن الشرك، وأن تصفح وتعفوا عمن بينك وبينه عداوة وشحناء. وأخيراً عباد الله: أُذَكِّرُ بحرمة صيام يوم الشك، قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم. ويوم الشك هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو من شعبان و هو يوم الثلاثين، فيحرم صومه بنية الاحتياط، قال صلى الله عليه وسلم: ((لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ)) فهذا في الرجل الذي له عادة، ويصومه بنية التطوع لا بنية الفرض، وأنه من رمضان أو بنية الاحتياط، فالنية هي الفيصل هنا، ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)). اللهم إننا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً متقبلاً، ورحمة تهدي بها قلوبنا. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، عباد الله اتقوا الله، واحذروا من التأثر بما تشاهدون وتسمعون من البدع والضلالات، خاصة عبر الفضائيات والشاشات، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن يثبتنا على سنته وطريقته حتى الممات، اللهم بارك لنا في شعبان، وبلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان ونحن بأتم صحة وعافية وإقبال على الطاعات والخيرات، اللهم اجعلنا ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، اللهم إن أعمالنا لعامنا هذا سترفع إليك هذه الأيام، وهانحن في هذه الساعة المباركة نتعرض لجودك فنسألك سؤال الخاضعين المنكسرين، سؤال المعترفين المقصرين، اللهم إنا نستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علينا فاستعنا بها على معصيتك، ونستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب اقترفناه في ضوء النهار أو سواد الليل في ملأ أو خلاء، أو سر أو علانية، اللهم إنا نستغفرك من كل ذنب تبنا منه إليك ثم عدنا إليه، ونستغفرك اللهم من كل ما وعدناك به من نفوسنا ولم نوفِّ لك به، ونستغفرك من كل عمل أردنا به وجهك فخالطه غيرك، اللهم اغفر لنا برحمتك وتب علينا بفضلك ومنتك، إنك أنت التواب الرحيم، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم على الخلفاء الراشدين،ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.