قناة اسلام سكاي على اليوتيو rss الاخبار  rss المقالات  البوم الصور فيس بوك
فضل العشر الأواخر من رمضان .. فضل العشر الأواخر من رمضان ..
عشرٌ وأيُ عشرٌ  .. عشرٌ وأيُ عشرٌ ..
رمضان..وموعظة العشر .. رمضان..وموعظة العشر ..
أيام العشر .. أيام العشر ..
الفائزون في رمضان .. الفائزون في رمضان ..
  مفاهيم يجب أن تصحح حول الإجازة
  الآثار السلبية للعولمة على تماسك الأسرة -الجزء الثالث
  نبع الحنان
  الأزمات ..واللسان ! (9/2/1424هـ)
  ألم يأن الأوان لتحرير المرأة ؟! (2)
  أعظم الغلول
  توجيهات للخاطبين والمخطوبات (3)
  الشيخ كلينتون !!!؟ 1424هـ
  الوازع الديني.. والتخريب! في (7/7/1429هـ)
  تدنيس جنود الأمريكان للقرآن
  الخطاب الديني.. والتجديد
  أجمل الرحلات في الصيف !! (4/5/1424هـ )
  الإسلام منهج حياة في 29/12/1424هـ
  من أسرار الضعف
  المرأة بين القوامة الشرعية والسلطوية الذكورية- 2
  قصة موسى عليه السلام (4)
  خطبة جمعية البر في 25/9/1426هـ
  أهداف الاستقامة الخلقية في الإسلام (6)
  أحداث غزة..والأمل في 5/1/1430هـ
  لوعة يتيم
  أعظم الأيام (تهذيب)
  هل تم التغيير في 24/9/1423هـ
  مفاتيح السعادة
  أسباب التوفيق والنجاح بين الزوجين(2)
  هل تكون الإجازة طريقك للتميز والتفوق؟
  وفاة الملك فهد (30/6/1426هـ)
  قصة حواء
  الوسطية والعلم في وجه الإرهاب
  أنفلونزا الخنازير ( بين الدعاية والوقاية ) في 7/9/
  زلزال كشمير وجمعية البر
  عالم الاستراحات 1
  اتهام النفس أولاً
  محروم في شهر الصوم 1
  عرفات عبر وعبرات 2
  روحانية صائم 1
  رمضان والرحيل المر 1
  قصة مأساة 2
  السهم المسموم 2
  الكنز المفقود 1
  بركان العواطف 1
  اغتيال المؤسسات الخيرية
  توجيهات وأفكار في تربية الصغار2
  أفتش عن انسان 2
  أفتش عن انسان 1
  قصص موسى الجزء الأول
اختار مجال البحث
    عدد الزائرين: 141299
    زوار اليوم: 75
    زوار الشهر: 1522


   قائمة الخطب

خطب الجمعة - معاني دعاء القنوت
  حفظ بصيغة ورد  طباعة الصفحة    اضف تعليق    أرسل لصديق   
     معاني دعاء القنوت

معاني دعاء القنوت في 10/9/1423هـ

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ،وبلغنا رمضان ،وجعلنا فيه من أهل لصيام والقيام،والصلاة والسلام على نبي الإسلام ،الذي تفطرت قدماه من القيام،وعلى آله وأصحابه الكرام ،ومن سار على نهجهم من الأنام..

أما بعد..أمة الإسلام :شهر رمضان شهر دعاء وعبادة ،وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم :أن "الدعاء هو العبادة "،والعبادة هي كمال الحب لله مع كمال الذل ،وكم للدعاء بهذا المعنى العميق من أثر على النفس حيث الراحة والسكينة والطمأنينة أليس مفزعها إلى الله الذي يقول :"وإذا سألك عبادي عن فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا به لعلهم يرشدون " إذاً فشعور المسلم بمعية الله له وأنه يأوي إلى ركن شديد،خاصة إذا حزبه أمر هو مصدر من مصادر السعادة والقوة والثبات لكل مسلم ،هذا كله بمجرد الدعاء أو سماعه أو طلبه،فكيف لو فهمه وتدبره وكان على يقين بإجابة الله له،فمتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نوراً وإشراقاً وانتفى عنه كل ريب وشك وسُخْط.

فكن مؤمناً بالله حقاً       تسْبقْ إلى الخيرات سبقاً

كم يَدَّعِ بلسان الإيمان    إقــراراً .. ونُـطقاً

فإذا اختبرت يقينـه       لم تلْقَ ذاك القولُ صدقاً

معاشر الصائمين والصائمات: إننا نردد الكثير من الأدعية والأذكار سواء في الصلاة أو في غيرها وربما لا نقف مع معانيها أو نفهم مرادها،ولا شك أن لهذا أثر كبير على استجابة الدعاء،فإن الله لا ينظر إلى قلب غافل لاه ،كما جاء في الأثر ؟! فما أحوجنا إلى أن نفهم ما نردد ونقول،ومن هذا:دعاء القُنوت المشهور الذي غالباً ما يردده الأئمة على مسامعنا كل ليلة من ليالي رمضان،وهو ما علّمه النبي (ص) للحسن بن علي،كما في المسند والسنن الأربع وغيرها عنه قال:عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ (ص) كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ:"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْت"واللفظ للترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ..وَلَا نَعْرِفُ عَنْ النَّبِيِّ (ص) فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا..إلى آخر قوله.وزاد البهيقي في السنن الكبرى:"ولا يذل من واليت،  ولا يعز من عاديت". فيا ترى هل تأميننا كل ليلة على هذا الدعاء عن فهم ودراية بمعانيه ،أم هو ثقة بالداعي وأنه لا يدعوا إلا بخير ،ومن أجل أن نفهم معاني القنوت تعالوا لأقف معكم وقفات لفهم هذه الكلمات،لعلها أن تخرج قوية من القلب واللسان ،فتشق الغمام ، أما قوله :"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ " أي: يا ربي دلني على الحق ووفقني لسلوكه ؛فالهداية التامة النافعة هي التي يجمع الله فيها للعبد بين معرفة الحق والعمل به،فيجمع بين العلم والعمل؛أما هداية دون عمل فلا تنفع،بل هي ضرر عليه؛ لأن الإنسان إذا لم يعمل بعلمه صار وبالا عليه ،ومثال الهداية العلمية دون عمل قوله تعالى:"وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"ومعنى هديناهم أي:بينا لهم الطريق وأبلغناهم العلم ،ولكنهم – والعياذ بالله – "استحبوا العمى على الهدى ،وكم من داع بردد " اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ "طالباً الهداية كل ليلة من ليالي رمضان لكنه لم يفعل أسبابها ولم يجتهد في الوصول إليها،بل ربما يُغرق نفسه ويُظلم قلبَه بالشهوات والفضائيات والسهر واللهو،أما من أراد الهداية بحق فلا بد من مجاهدة النفس كما قال تعالى:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"،وفي الحديث القدسي:"فاستهدوني أهدكم"،إذاً وأنت تؤمّن على قول الإمام "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ " لا بد أن تستحضر أنك تسأل ربك العلم والعمل،فالعلم الذي هو هداية الإرشاد،وأما السعي للعمل الصالح فهو هداية التوفيق،وهذا ربما غاب عن أذهان كثير من الناس أنهم يسألون الهدايتين ،وأن سؤال الهداية متضمن لحصول كل خير والسلامة من كل شر،ومثله عند قراءتهم للفاتحة وطلب الهداية في اليوم سبع عشرة مرة في صلاة الفرض في قوله :" اهدنا الصراط المستقيم". وتأملوا اخوة الإيمان كم في قوله :"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ " من انكسار وتذلل وخضوع وترج لله عز وجل ،لسان حال العبد يقول وقد ألقى نفسه بالباب طريحاً ذليلاً مسكيناً: يارب إني عبد ضعيف مذنب أحب الهداية وأتمناها،فاهدني إليها ويسر لي سبلها وأعني على قهر نفسي الأمارة بالسوء ،يارب كما هديت الكثير من عبادك وأنعمت عليهم،فإني أراهم وأغبطهم على ماهم فيه من نعيم ،فأنعم علي مثلهم وتفضل فأنت صاحب الفضل ،الله أكبر يالها من معان عظيمة ،يا لها من مناجاة حميمة ، من عبد فقير لرب غني كبير :لقد هديت أناساً فاهدني معهم، أدخلني معهم لا تحرمني ،فتدبروا معاشر الداعين وقفوا عند قوله "فيمن هديت" غاية في التوسل والإقرار بنعم الله عز وجل ،بل أعظمها: نعمة الهداية ،فيا رب كما أنعمت على آخرين أنعم عليَ أيضاً بالهداية ،فإن ذلك من مقتضى رحمتك وحكمتك ،ومن سابق فضلك،فإنك قد هديت أناسا آخرين فاهدني فيمن هديت. وكذلك قوله :"وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ " فقد أنعمت يارب على الكثير من خلقك بنعمة العافية التي هي من أعظم النعم بعد نعمة الهداية خاصة في زمن الأسقام والأمراض ،زمن الوباء والسرطان والشلل والفشل عافنا الله وإياكم من كل داء وبلاء، إنها العافية الملك الذي لا يفنى فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء ،عافية السمع والبصر ،وعافية العقل والجسد،وعواف كثيرة لا تعد ولا تحصى،فسبحانه ما أسبغ نعمه ،فبأي شكر نقابل نعمه علينا، وبأي جزاء نكافئ إحسانه إلينا، ولا بد يا عبد الله أن تستحضر عند هذا الدعاء: طلب المعافاة من الأمراض البدنية والقلبية معاً، فأمراض القلوب أفسدت دين الناس وهي مصيبة ولذلك يردد البعض في دعاء القنوت"ولا تجعل مصيبتنا في ديننا"،وأمراض القلوب نوعان: شهوات منشؤها الهوى،وشبهات منشؤها الجهل . وتأملوا اخوة الإيمان بعد أن سأل الهداية التي هي أغلى وأعظم نعمة فالمصيبة الكبرى مصيبة الدين فبعد سؤال عافية الأديان"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ " أتبعها بسؤال عافية الأبدان : "وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ "،فالحمد لله الذي عافنا في ديننا من الشرك والكفر،وفي أبداننا من الداء والضر،وكم من نعمة قد أنعم الله بها علينا ، وكم من حسنة ساقها الله إلينا،ولولا الخالق لم يكن المخلوق شيئاً مذكوراً،ولولا الرازق لم يملك المرزوق فتيلاً ولا نقيراً ،

لو عرفنا حبيبنا ما سلونا      ولكن قدره ما قدرنـا

لو سعدنا بوصله ما شقينا     لو غُنينا بفضله ما افتقرنا

لو رُوينا من حبه ما ظمئنا     لو سلكنا في طريقه ما عثرنا

قال بعض العلماء: المعافاة أن يمنع الله شرَّك عن الناس،ويمنع شرَّ الناس عنك .والعجيب أن البعض يسأل الله العافية بلسانه ويردها بفعله ، فالرسول (ص) يقول:"كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ .." وكم هم الذين يجاهرون بالمعاصي ليل نهار،لا يستحيون من الخلق ولا من الخالق ، يسترهم الله ويفضحون أنفسهم ،فإذا سألت أخي الله العافية فبليت

فاستتر وتذكر "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَاةٌ إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ .." .

من قال قولاً ثم خالف قو     لـه  بفعاله ففعالُه أولى به

فيا معاشر الرجال والنساء :رددوا في الصباح والمساء ،كما كان (ص)

يردد ،فقد قال ابن عمر:لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ:اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي"رواه أَبُو دَاوُد وهو صحيح.وأما قوله (ص) :"وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ " فمعنى تولنا أي:كن ولياً لنا،والمقصود الولاية الخاصة بالمؤمنين "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور" "نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا والآخرة"إذاً فأنت يا عبد الله تسأل الله الولاية الخاصة والتي تقتضي التوفيق والنصرة،والحفظ والصد عن كل ما يغضب الله ،تسأله أن يتولاك فيمن تولى من المؤمنين ، "فاحفظ الله يحفظك " فإن الله يقول :" من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب.."، "إن الله يدافع عن الذين آمنوا " وهنيئاً لمن استجاب الله فتولاه ،فأصبح ولياً لله ،فقد قال الله :" ..فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ،وبصره الذي يبصر به،ويده التي يبطش بها،ورجله التي يمشي عليها ،ولئن سألني لأعطينه،ولئن استعاذني لأعيذنه .." فتبه أخي وأنت تردد "وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ " تنبه لهذه الفضائل لتعرف ما تطلب فتكون الدعوات من القلب للرب .وأما قوله (ص) :"وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ "أي :يارب ضع بركتك في كل ما أعطيتني من خير الدارين،والبركة تأتي بمعنيين: دوام النعمة واستمرارها، والثاني:زيادة النعمة وكثرتها،وهناك معنى خفي وجميل للبركة:فقد يكون العطاء قليلاً لكنه كثير النفع والفائدة،فقد لا يعيش فلان من الناس سوى ثلاثين سنة لكنه قدم فيها الكثير من العلم والعمل والنفع لأمته،مالم يقدمه من عاش الثمانين والتسعين ،وقد يرزق فلاناً القليل من المال فينفع وينتفع منه له ولأمته مالم ينفع مال أصحاب الملايين،وهذا هو المفهوم الحقيقي للبركة ،فهل أنت تعي هذا عند قولك: "وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ" أي كثرة النفع والانتفاع في كل ما أعطاك الله من النعم أياً كانت علم أو مال أو ولد،أو طول عمر أو دوام صحة وغيرها من نعم الله عليك التي لا تحصى ،كم أولئك  الذين يؤمّنون خلف الإمام وعندهم من المال الكثير لكنهم به لا ينتفعون ،وعلى أهلهم يقترون ويبخلون،لا يتصدقون ولا ينفقون ،فأي بركة يطلبون ؟! بل ربما سلط الله على أموالهم آفات تُذهبها وتبددها . كم من متعلم يؤمّن على هذه الكلمات "وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ"لكنه لم ينفع أو ينتفع بعلمه ،لا بتدريس ولا توجيه،ولا بأمر ونهى، ولا بكتابة ولا تأليف ؟! فأي بركة يرجون ؟ إنه حرمان بركة العلم ،بل ربما غيبة وجدل وتتبع للزلات،فسلط الله عليهم الذل والهوان على الناس،والفقر في الدنيا،والعذاب في الآخرة ،نعوذ بالله من الخسران . فإن أردت أخي البركة بحق فأري الله من نفسك خيراً،وأقبل على الله يقبل الله عليك ،فإن الشقي من حرم رحمة الله . نفعني الله وإياكم بهدي كتابه،وبسنة نبيه محمدe، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،وعلى جميع صحابته ومن اهتدى بهداه ..أما بعد: وأما معنى قوله (ص) :"وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ "أي: اجعل لي وقاية من شر ما قضيت إما أن لا ينزل الشر بي .وإما إذا نزل فلا يضرني ،وقد يقول قائل: وهل الله يقضي بالشر ؟فنقول:إن الله عز وجل يقضي بالخير ويقضي بالشر،أما قضاؤه بالخير فهو خيرٌ محض في القضاء والمقضي،مثل أن يقضي الله للناس بالرزق الواسع والأمن والطمأنينة ،والهداية والنصر ..وغير ذلك فهذا واضح الخير في القضاء والمقضي  ،وأما قضاؤه بالشر فهو خيرٌفي القضاء،شرٌ في المقضي مثل القحط ،وامتناع المطر فهذا شرٌ لكن قضاء الله به خيرٌ قال تعالى :" ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون " إذاً فلهذا القضاء غاية حميدة وهي الرجوع إلى الله تعالى من معصيته إلى طاعته فصار المقضي شراً وصار القضاء خيراً .وهكذا بقية الشرور فقضاء الله بها لحكم نافعة وغايات عظيمة ،وإن كانت شراً في ذاتها فتأمل هذه النكتة النفيسة تذق حلاوة الرضا بالقضا،وتدعو عن علم وفهم : يارب قني شر ما قضيت ، فالدنيا مليئة بالشرور والفتن والبلاء،فإن لم تحفظني أنت فليس لي حافظ ، وإن لم تحمني فلن يحمني حام،ومن لم يتترس بترس التوكل على الله أصابه كل رام،فاللهم "وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ "، نعم فأنت يا الله تقضي على كل شيء فالحكم التام لك "ولا يُقضى عليك " فلا أحد يقضي عليك فحكم العباد بل الكون كله بيديك ،" لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون " ،"إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، ولا يعز من عاديت"،هذا كالتعليل لقولنا فيما سبق "وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ"،والمعنى:لا يطرق الذل والهوان في الدارين أحداً واليته من عبادك،أما ما يطرقهم من الحوادث الظاهرة والأمراض الباطنة ونحوها فهو وإن عدّه عوام الناس ذلاً إلا أنه غاية الرفعة والعزة عند الله والعارفين به ،ولذا كان " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم .."وظاهره امتحان ، وباطنه تشريف وعلو مقام،وما أجمل قول القائل:" ماذا يصنع أعداء بي أنا جنتي وبستاني في صدري !سجني خلوة،ونفيي من بلدي سياحة،وقتلي في سبيل الله شهادة "،إنها جنة الدنيا فإذا تولى الله سبحانه العبد فإنه لا يذل ،كما أنه إذا عادى أحداً فإنه لا يعز ،ومن كان الله وليه أيحتاج لغيره ،أيذل نفسه للمخلوقين ومعه الخالق ،أيشكو لأحد ؟ أيخاف من أحد ؟ أيرجو أحد ؟ لا والله إلا الواحد الأحد ،فالعبودية للخالق عز ورفعة،وللمخلوق ذل ومهانة،  أو ليس في الحديث:"اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك..  إنها السعادة الأبدية في حقيقة العبودية لرب العباد، حب وخوف ورجاء،غاية الحب لله مع غاية الذل والخضوع له جلّ وعلا. ولا يفوتك يا عبد الله التعظيم والثناء في قولك آخر الدعاء:" تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْت" فقد جاء بضمير الجمع هنا دون ما تقدم من قوله :" اهدني.. عافني.. تولني..،بارك لي..قني" لأن ذلك مقام سؤال وهو مناسب للتذلل والانكسار،وهذا مقام ثناء على المولى فناسب الإتيان فيه بضمير الجمع ، وإشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء حق ثنائه ، فاللهم ربنا تباركت أي:عظم شأنك ،فأنت العظيم ،وتعاليت :ترفعت عن كل نقص، وأنت أيضاً الأعلى،فسبحانك ما أعظم شأنك، سبحت لك السموات وأملاكها،والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها،والبحار وحيتانها،الكل معترف بعظمتك وعلوك فهم لك قانتون،وإليك يجأرون،وعلى باب فضلك عاكفون ،

مالكم من غيره فرجٌ     فاطلبوا من عنده الفرجا

قطرةٌ من لطف رحمته    تجعل المحزون مبتهجـا

وأخيراً قال ابن حجر الهيثمي :وزاد العلماء بعد تعاليت:"فلك الحمد على ما قضيت،أستغفرك وأتوب إليك"( الفتوحات الربانية 2/296 ) .

عباد الله: هذا شرح يسير،لدعاء القنوت الشهير،فيا من كل ليلة تقنتون،

وتسألون وتُلحون ،تدبروا ما تقولون ،فالدعاء عبادة ،وفهمه أحرى للإجابة ،فأين طلاب هذه النفائس ، فحيَّهلا إن كنت ذا همة فقد   حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا ولا تنتظر بالسير رُفقة قاعد   ودَعْه ،فإن الشوق يكفيك حاملا ..

وأختم بتنبيهات سريعة تخص قنوت رمضان :

أولاً :لا أعلم أنه ورد عن النبي (ص) أنه كان يقنت في الوتر،لكن تعليمه للحسن بن علي يكفي في إثبات مشروعيته،ومع ذلك تركه أحياناً فيه جمع بين السنة القولية والفعلية،وهناك أدعية أخرى ثبتت عن النبي (ص) كلها تحمل معان عظيمة ،جديرة بالوقوف والتدبر،والنظر والتأمل ، وليس في أدعية الوتر فقط،بل وأدعية الصلاة من استفتاح وركوع وسجود وغيره ،وكل الأدعية الواردة في أعمال اليوم والليلة، فلنفهم المعاني لنذوق حلاوة المنجاة ،ولنحصل على الإجابة من الله، وتذكر دائماً:أن الله لا ينظر إلى قلب غافل لاه .ثانياً: إن التلحين والتطريب والتغني والتقعر والتمطيط في أداء الدعاء، منكر عظيم ينافي الضراعة والابتهال والعبودية، وداعية للرياء والإعجاب وتكثير جمع المعجبين ،وقد أنكر أهل العلم على من يفعل ذلك في القديم والحديث. قال المناوي رحمه الله في "فيض القدير": تنبيه:قال الكمال بن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان، من التمطيط والمبالغة في الصياح، والاشتغال بتحريرات النغم – أي في الدعاء - إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد. وهذا معلوم: إن كان قصده إعجاب الناس به،فكأنه قال:اعجبوا من حسن صوتي وتحريري.ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء –كما يفعله القراء في هذا الزمان- يصدر ممن يفهم الدعاء والسؤال، وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد: سائل حاجة من ملك ،أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني، نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب، إذ مقام طلب الحاجة: التضرع لا التغني. فاستبان أن ذاك من مقتضيات الحرمان " أهـ .ثالثاً: الأصل التقيد بالأدعية الواردة الصحيحة ،والزيادة وإن كانت جائزة إلا أن المحافظة على ما ثبت هو الأولى، وأما المحظور فهو : هجر الصحيح الوارد ، والتزام ما لم يصح، أو البحث عن غرائب الأدعية المسجوعة، أو اختراع أدعية فيها تفصيل وتشقيق ،وغير ذلك من الاعتداء والخروج عن المشروع .رابعاً : أن يُجتنب التطويل بما يشق على المأمومين ،وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في مقدار القنوت في الوتر على ثلاث روايات: الأولى: أنه بقدر سورة "إذا السماء انشقت". والثانية: بقدر دعاء عمر :"اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفرك..". والرواية الثالثة: كيف شاء القانت.  لكن إن كان القانت إماماً فلا يختلفون في منع التطويل الذي يشق على المأمومين .وعلى كل فالواجب على المسلمين وخاصة من تولى الإمامة في الصلاة ،أن يحرصوا على هدي النبي (ص) في تعبدهم ودعائهم وقُنوتهم وصلاة القيام والتراويح وسائر أحوالهم فذلك أزكى لهم وأطيب وأرجى لهم عند ربهم ومعبودهم ،نسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين،واتباع سنة سيد المرسلين ،كما نسأله أن يبارك لنا ولكم في رمضان ،فهاهو الثلث الأول منه آذن بالرحيل، وفي هذا عبرة للعاقلين،وتنبيه للغافلين ،نسأل الله أن يتقبل منا أجمعين، وأن يتجاوز عن التقصير والتفريط، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في فلسطين،وفي كل مكان يارب العالمين،اللهم عليك بأعداء الدين أجمعين، اللهم ألق الرعب في قلوبهم وخالف بين صفوفهم ومزقهم شر ممزق،اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز، اللهم أسقنا وأغثنا،اللهم انشر رحمتك بين العباد، أسقنا اللهم الغيث ولا تجعلنا من القانطين، برحمتك يا أرحم الراحمين ،اللهم أصلح ولاة أمرنا، وولاة أمور المسلمين،اللهم وفقهم وأعنهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين،اللهم تقبل منا، وأعطنا ولا تحرمنا ،اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى الأحياء من المسلمين والميتين ،برحمتك يا أرحم الراحمين ،والحمد لله رب العالمين ..

 

تمت النشر بتاريخ   28/12/1430        القراءة   74




ملحوظة : جميع التعليقات تعبر عن رأي صاحبها وليس رأي الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش


       تطوير محمد عبد المقصود