قصة فاطمة الزهراء في 21/4/1430هـ
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ آياتٍ بيناتٍ، وفصلها سورًا وآياتٍ، وصلى اللهُ وسلمَ على نبيِّ الْمَكْرُمَاتِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعهم حتى المماتِ. أمّا بعدُ: أيّها النَّاسُ! اتقوا ربَّكم واشكروه، واعملوا بالقرآنِ وتدبروه، فهو سد منيع في وجه فتنِ الشبهاتِ والشهواتِ، ومواصلة لسلسلة (قصص النساءِ في القرآنِ)، وبعد الحديث عن عشرين قصة منها،كنا قد بدأنا الحديث في الجولة الثالثة منها:قصص النساء في القرآن في عصر نبينا محمدe، نساء لهن صولات وجولات مع حبيبناe ذكرهن القرآن تصريحاً وتلميحاً، بدأنا بأم جميل امرأة أبي لهب، ثم خولة بنت ثعلبة، ثم موقف عائشة وحفصة في سورة التحريم، ثم قصة زينب بنت جحش، ثم قصة خديجة بنت خويلد، ثم قصة عائشة في حادثة الإفك، وحديثنا اليوم عن بنت من أفضل وأشرف بنات الدنيا، بنت بارة بأبيها وأمها، بنت ذات خلق وأدب رفيع، يكفيها فخراً ونسباً أنها من آل بيت محمدr، وسيدة نساء أهل الجنة، إنها فاطمة ريحانة رسول اللهr، أشار إليها القرآن في الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحزاب في قول الله تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}،ويدل على ذلك ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: خَرَجَ النَّبِيُّ r غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}قال قتادة: فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء، وخصهم برحمة منه. وروى الترمذي وصححه الألباني عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r جَلَّلَ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ كِسَاءً ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي، أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا)) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ)). وذكر الحافظ في الإصابة عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}قالت: فأرسل رسول الله r إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال: "هؤلاء أهل بيتي" الحديث، أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم.، ولذا فإن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة: محبة آل البيت، وإنزالهم المنزلة التي أكرمهم الله بها، ولا نُلام بحبهم فهم آل بيت رسول الله حبيبنا وحبيب كل مسلم ومسلمة، وإنما المَلام على من تجاوز الحب إلى الغلو والتقديس، بل والتأله والبدع والخرافات والأساطير التي لا أصل لها. ففاطمة أم الحسن والحسين، رضي الله عنها وعن أبناءها، وعن زوجها، هي: سيدة نساء أهل الجنة، ومن خير نساء العالمين، كما روى الترمذي وقال حديث صحيح، وصححه الألباني في المشكاة عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: ((حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ)). إذاً فأبيها سيد المرسلين،وخاتم النبيين، وإمام المتقين، فأعظم بهذا النسب الكريم نسباً، وأمها سيدة قريش ذات النسب والحسب والمال والتجارة، والأخلاق الفاضلة والإيمان الراسخ، خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، لقد كانت فاطمة أصغر بنات النبي r وأحبهن إليه، ولدت رضوان الله عليها سنة بناء الكعبة قبل البعثة المحمدية بخمس سنين. والنبي r ابن خمس وثلاثين سنة. وتزوجها علي في رجب سنة مقدمهم المدينة وبني بها مرجعه من بدر ولها يومئذ ثمان عشرة سنة. لقد كانت فاطمة ريحانة رسول الله صلوات الله عليه، يرضى إذا رضيت ويسخط إذا سخطت، ولكن حنان الأبوة لم يمنعه من تعهد ابنته بالتربية وإعدادها لتحمل المسئوليات، ولم يكن ليشفع لها كونها بنتا للنبي r إن لم تعمل صالحا وتتق الله وتطع الله ورسوله{وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فأمر الله نبيه أن يأمر نساءه بالصلاة والزكاة والطاعة، لأن قرابتهن من النبي r لا تغني عنهم من الله شيئا، كما جاء في البخاري أنه r قَالَ: ((..وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا)) رغم أنها كانت من أحب أهله إلى قلبه،فعَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ فَسُئِلَتْ: أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r؟ قَالَتْ: فَاطِمَةُ، فَقِيلَ: مِنْ الرِّجَالِ؟قَالَتْ: زَوْجُهَا. إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا.رواه الترمذي والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه الألباني في المشكاة،
أكرم بفاطمة البتول وبعلها ... وبمن هما لمحمد سبطان
غصنان أصلهما بروضة أحمد ... لله در الأصل والغصنان
يا بنات المسلمين.. يامعاشر البنات: اسمعن كيف كانت فاطمة مثالاً للبنت مع أبويها حباً وتقديراً واحتراماً، وتعامل راق مؤدب رفيع المستوى، هي اسوة هي قدوة ومثال حي لبناتنا اليوم في طاعة الوالدين والبر بهما، أخرج الترمذي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ r. قَالَتْ: وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ r قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ.. .، أسمعتم يا معاشر الآباء هو r من يقوم للبنت ويستقبلها ويقبلها ثم يُجلسها مجلسه، هكذا فلتكن الأبوة، إنها التربية بالقدوة، لا بالانتقاد ولا بالتوبيخ أو بمجرد الوعظ وكثرة التوجيه، بل هو الفعل والتطبيق العملي، ولذا لا غرابة أن تكون النتيجة كما تقول عائشة في باقي الرواية:"..وَكَانَ النَّبِيُّ r إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا.
ما أروع هذا الاحترام المتبادل، ما أجمل هذا الحنان والحب بين البنت وأبيها، إن مثل هذا الموقف العجيب يجعلنا نتساءل وبحسرة: عن العلاقة اليوم بين الآباء والبنات؟
فكثير من البنات لا يجرؤن بمصارحة الآباء أو مناقشتهم في كثير من أمورهن،بل ربما استغل هذه الفجوة بعض الذئاب البشرية مساومة واستزافاً، فهذه إحدى البنات تقول:" ..لقد قدر الله لي وأخوتي العيش عند أب منذ حيينا على الدنيا لم نسمع منه غير السب والاحتقار، والأمر من ذلك الدعاء علينا في كل حين ووقت..الخ"، وبنت أخرى تقول:"..أبي دايم يسوى مشاكل وما يندينا إلا بأسوأ الألفاظ.. لم تعد نفسيتي تتحمل طريقة تعامله معنا.."، وبنت ثالثة تقول:" كيف أتعامل مع أمي التي لا تساعدني على برها أبداً ..ظلم وصراخ بغير وجه حق.. حاولت معها بجميع الطرق والمهارات لكن دون جدوى، مللت وكرهت نفسي لا أم ترحم، ولا أب فاضٍ لي ..الخ كلماتها"، بل وعشرات الصرخات من البنات، إنها إشارات تحذير ونذير للآباء والأمهات، لمراجعة الذات، وأساليب التعامل مع البنات، إن السيرة العطرة لفاطمة بنت محمد درس بليغ في نتاج التربية العملية التطبيقية، من المدرسة المحمدية، فسيرتها ليست درسا للبنات فقط، بل درس آخر عظيم للآباء والأمهات في كيفية التربية والتعامل مع البنات، فما كان النبي rيُغضب فاطمة، بل كان يَغضب ممن يُغضبها ومما يُغضبها، كما روى البخاري عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: ((فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي))، وروى الترمذي عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا)) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وربما استغل البعض هذا الحديث في معارضة النبيrللتعدد كما سمعنا وقرأنا، لكن ليس مع النص اجتهاد فقد بينr سبب اعتراضه وغضبه هنا كما روى مسلم عن الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ r، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ؛ أَتَتْ النَّبِيَّ r فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ r، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا)). قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ. لقد كانت العلاقة حميمية بينها وبين أبيها حتى بعد زواجها، فقد كانت تشكي إليه حالها وظروفها، وكان r يرشدها فكانت مطيعة قابلة لتوجيهاته، ففي الصحيحين عن علي أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ r سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ r أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ r إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ r: ((عَلَى مَكَانِكُمَا))، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَنْ تُكَبِّرَا اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ)). هكذا كانت بنتا بارة مطيعة، تسمع نصح أبيها وتوجيهاته لما تعلم من حبه وشفقته عليها، حتى ولو كان توجيها يخالف رغبة عنها، ففي مسند أحمد وغيره وصححه الألباني أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ r حَدَّثَ أَنَّ ابْنَةَ هُبَيْرَةَ ...قَالَتْ لَهَا فَاطِمَةُ انْظُرِي إِلَى هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الَّتِي أَهْدَاهَا إِلَيَّ أَبُو حَسَنٍ قَالَ وَفِي يَدِهَا سِلْسِلَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَدَخَلَ النَّبِيُّ r فَقَالَ يَا فَاطِمَةُ بِالْعَدْلِ أَنْ فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لِإِنْسَانٍ: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ. فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ r يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ. سبحان الله! إننا لنعجب لهذه العلاقة والمودة الرائعة بين البنت وأبيها، هكذا تصلح الأسر وتستقر حياة الأبناء، بل يتعدى ذلك لأبناء الأبناء فقد كان rيدلل أولاد فاطمة ويستأنسهم ويداعبهم، وربما ركب الواحد منهم على كتفه هو يصلي،فلما قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ هَذِهِ سَجْدَةً قَدْ أَطَلْتَهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ قَدْ يُوحَى إِلَيْكَ، فأجابهم:((فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ))،رواه النسائي وأحمد وابن أبي شيبة والبيهقي والحاكم والطبراني وصححه الألباني. روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي طَائِفَةٍ مِنْ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: ((أَثَمَّ لُكَعُ أَثَمَّ لُكَعُ)) يَعْنِي حَسَنًا (يمازح الحسن بن علي) فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ)). لقد كان أبوها يرعاها ويتفقدها ويحمل همها، ولذا فلا غرابة أن تحمل هي أيضاً هم أبيها، وأن تعيش معه هم الدعوة إلى الله، وتكون عوناً له في تبليغ رسالته، بل كانت تسليه وتدفع عنه أذى قريش وسخريتهم واستهزائهم بالحبيب r، ومواقفها في هذا معروفة مشهورة لما وضعوا على ظهره سلا الجزور، وغيرها من بطولاتها في نصرة رسول رب العالمين، خاصة بعد وفاة أمها فقد القلب الحنون للحبيب رغم صغر سنها، فقد كان r إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُثَنِّي بِفَاطِمَةَ، ثُمَّ يَأْتِي أَزْوَاجَهُ، فَقَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَى فَاطِمَةَ فَتَلَقَّتْهُ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ، فَجَعَلَتْ تَلْثِمُ فَاهُ وَعَيْنَيْهِ وَتَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: أَرَاكَ شَعِثًا نَصِبًا قَدِ اخْلَوْلَقَتْ ثِيَابُكَ، فَقَالَ لَهَا: ((لا تَبْكِي، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ أَبَاكِ بِأَمْرٍ لا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ بَيْتٌ وَلا مَدَرٌ وَلا حَجَرٌ وَلا وَبَرٌ وَلا شَعَرٌ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِ عِزًّا أَو ذُلا حَتَّى يَبْلُغَ حَيْثُ بَلَغَ اللَّيْلُ)) رواه الطبراني في الكبير والحاكم وقالصحيح الإسناد، ولم يخرجاه. أيها المؤمنون والمؤمنات: إنها مواقف من بيت النبوة ترسم منهجاً فريداً عجيباً لدور الفتاة كبنت، وما أكثر البنات اليوم اللاتي هن بأمس الحاجة لمعرفة الواجبات عليهن تجاه الأهل والأسرة، كما أنهن بأمس الحاجة لأعطائهن حقوق كبنات، لبناء شخصيتهن وزرع الثقة بأنفسهن، إنها التربية القائمة على الحب والاحترام المتبادل، ولذا كان رحيل الأب ووفاته على فاطمة شديداً أكثر من غيرها، فقد حزنت حزنا شديدا، كما روى البخاري عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ r جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ! مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ! إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r التُّرَابَ؟. لقد حُق لفاطمة أن تحزن لفقد أباها، ففقده مصاب للأمة كلها، فكيف بفلذة الكبد، ولذا فسرعان ما لحقت بأبيها، قال الواقدي: توفيت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة. وصلى العباس عليها، ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل. فرضي الله عنها وأرضاها، فكما قالت عائشة: ما رأيت قط أحداً أفضل من فاطمة غير أبيها. أخرجه الطبراني في ترجمة إبراهيم بن هاشم من المعجم الأوسط وسنده صحيح على شرط الشيخين إلى عمر.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
تمت النشر بتاريخ 26/1/1431 القراءة 85 |
|
|
|
|
 |