أهداف الاستقامة الخلقية في الإسلام (10) في 3/4/1431هـ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على من أدَّبهُ اللهُ وحلاهُ بالخُلُقِ العظيمِ، وبعثهُ اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آلهِ وصحبهِ الغُرِّ الميامينِ، ومن سار على نهجهِ واتَّبعَ سنتهُ إلى يومِ الدينِ،أما بعدُ:عبادَ اللهِ! اتقوا الله حقيقة التقوى، واعلموا أن حقيقتها بمراقبة الله في سلوكنا وتصرفاتنا، بأقوالنا وأفعالنا، إنها التقوى في المعاملات تطبيقًا وممارسةً، وقد كنا بدأنا الحديث بسلسةِ خطب مباركةِ عن أهداف الاستقامةِ الخلقيةِ في الإسلامِ، فأشرنا فيما مضى إلى أهميةِ الأخلاقِ، وأنها بمنزلةِ العمودِ الفِقَرِيّ في الحياةِ، وبمثابةِ الأساسِ المتينِ لأيِّ قانونٍ ونظامٍ، وأيِّ حضارةٍ وشريعةٍ، وأنها دليلٌ على تقدُّمِ الشعوبِ، ورُقيِّها في سُلَّمِ الحضارةِ، بل هي وسيلةٌ فعالةٌ وفنٌّ مهمٌّ لكسبِ القلوبِ والمعاملةِ حسنةِ والعِشرةِ الطيبةِ. ولاشكَّ أنَّ الناسَ اليومَ! بحاجةٍ ماسَّةٍ لتذكيرِهمْ بالنصوصِ الواردةِ في الأخلاقِ الحسنةِ، وأنها ليستْ مجردَ حليةٍ وزينةٍ، بل هي أيضاً عبادةٌ وقربةٌ، ثم تطرقنا إلى مميزاتِ الاستقامةِ الخلقيةِ في الإسلامِ، وإلى أهدافِها، وأنَّ الأهدافَ تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: أهدافٌ أخرويةٌ، وأخرى دنيويةٌ، وقسمٌ ثالثٌ جامعٌ بين الدنيويةِ والأخرويةِ، ثم ذكرنا أهمَّ وأبرزَ أهدافِ الاستقامةِ الخلقيةِ الأخرويةِ مع سردِ أدلتِها من الكتابِ والسنةِ، ثم تحدثنا عن عشرةِ أهدافٍ من أهدافِ الاستقامةِ الخلقيةِ الدنيويةِ، وهي الهدف الأول: مراعاةُ جمالِ المظهرِ والذوقِ العامِّ، والثاني: مراعاةُ خلقِ الحياء. والثالثُ: كسبُ أعدائِك إلِى صفِّك، وتحويلُ عداوتهم إلى محبةٍ وولاءٍ، وودٍ وإخاءٍ، والرابعُ هو: الصحةُ النفسيةُ، وراحةُ البالِ والضميرِ، وذهابُ الغلِّ والتشفِّي، والخامسُ هو: تبادلُ الأنسِ والألفةِ، وإشاعةُ أجواءِ الودِّ بينَ الناسِ والمحبةِ، والسادسُ: الترفعُ عن مجاراةِ السفهاءِ والحاسدين، وإكرامُ النفسِ وحفظُها مما لا يليقُ بها، والسابعُ: تيسيرُ أمورِ صاحبِ الخلقِ الحسنِ وقضاءُ الناسِ لحوائجِهِ، والذي قد يصلُ للكسبِ الماديِّ. والثامنُ: مداراة الناس، واتقاء شرهم خاصة أهل الفحش والبذاءة. والتاسع: التواضع ولين الجانب، وأمَّا الهدفُ العاشرُ من أهدافِ الاستقامةِ الخلقيةِ الدنيويةِ في الإسلامِ فهو: الحفاظ على المروءة واجتناب خوارمها، وقد كررنا أن هذه الأهداف وإن كانت دنيوية إلا أن المسلم يكسب أجرها متى ما أخلص النية فيها، واحتسب أجرها. أيها المسلمون! نواصل الحديث اليوم عن الهدف الحادي عشر من أهداف الاستقامة الخلقية الدنيوية في الإسلام، ألا وهو: بقاءُ الذكر الجميل، واستمرارُ الثناء الحسن، والصِّيْت الطيب الدائم للعبد في حياته وبعد مماته: فصاحب الخلق ذكره حسن! والثناء عليه والدعوات والترحمات في الحياة وبعد الممات! ولا شك أن هذا عمر ثانٍ للعبد، فكل يتمناه ويسعى لتحقيقه، فقد جبلت عليه النفوس، وفُطِرَ عليه البشر، ألا تبرق أسارير وجهك وتتهلل عندما تسمع الثناء والدعاء لك، وترى ذكرك الحسن على الألسنة، وفي المحافل والمجالس والمنتديات..، إن هذا عاجل بشرى المؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام، حقًّا لم يمت من حسن ذكره وبقي ولو فارق الحياة بجسده، كيف وقد خُلِّدَ اسمه في ذاكرة الأجيال، ونُقش في صفحات التاريخ، يفوح عبقًا وأريجًا، ويفيض ثناء ودعاءً!
كم ماتَ قومٌ وما ماتَتْ مكارِمُهُم وعاشَ قومٌ وهم في الناس أمواتُ
إن قيل: ماتَ فلم يمُتْ مَنْ ذِكرُهُ حيٌّ على مَرِّ الليالي بَاقِيْ
هو لم يَسع ليُذكر، ولم يَبذل ليُشكر، بل كان عمله لله خالصاً دون سمعة ولا رياء، لكنها آثار العمل الصالح وفطرة النفوس في حب وشكر وذكر من أحسن إليها، إنها آثار نعم الله على العبد، فكلما أخلص بعمله رفع الله ذكره وأعلى شأنه، فالذكر الحسن، والصِّيت الطيب، والحمد الدائم بعد الرحيل من هذه الدنيا علامة من علامات القبول، وبشارة للعبد بحسن الخاتمة بإذن الله، فقد روى ابن ماجه بسنده عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ((أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ مَلَأَ اللَّهَ أُذُنَيْهِ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ خَيْرًا وَهُوَ يَسْمَعُ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنْ مَلَأَ أُذُنَيْهِ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ شَرًّا وَهُوَ يَسْمَعُ))قال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. وقال الألباني:حسن صحيح. عباد الله! إن الواحد منا مهما طال عمره، وامتدت حياته فهو راحل لا محالة: نزلنا هاهنا ثم ارتحلنا * كذا الدنيا نزول وارتحال. نعم لم يُكتب لأحد من البشر الخلد في هذه الدنيا، حتى ولو كان أحب خلق الله، حبيب رب الأرض والسماء، ولكن الأعمال الجليلة، والمآثر الحميدة، والخصال الطيبة هي التي تبقى، وتَخلد خلود الدنيا، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ* كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء:34- 35]، هكذا ينادي القرآن منبهًا الإنسان أنه ليس أحد بخالد إلا الله،{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، وعلى الإنسان إذا أراد الخلود أن يُبقي أثره ويُخلد اسمه، وليس سبيل إلى ذلك إلا التزود من الأعمال الصالحة، والإكثار من المآثر الطيبة، وترك بصمات وإنجازات تَبقى شاهدة لصاحبها على مر الأزمان وتوالي الأجيال نفعاً وأثراً ، ثم حمداً ودعاءً، ثم ذكرًا وثناءً، فيُذكر بها، ويخلد اسمه معها.
أحاديثَ تبقَى وَالفَتَى غيرُ خالِدٍ ... إذَا هُوَ أمسَى هامَةً تَحتَ صَيِّرِ
عباد الله! أوصى رجلٌ بنِيْهِ، فقال: "يا بنيَّ! عاشِرُوا الناس معاشرةً إن غِبْتُم عنهم حنُّوا إليكم، وإن متُّمْ بكَوا عليكم". إن حمد الناسِ وثناءهم الصادق من غير طلب وتعرض له علامة من علامات القبول بإذن الله، قال الله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. وفي صحيح مسلم من حديث أَبِي ذَرٍّt قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ r: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: (( تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ)). ولما مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا،قَالَr: ((وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ))، فلما سئل r فقال: (( مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ))متفق عليه. وكلكم إخوة الإيمان يعلم أن هناك أسماء معينة لامعة كالبدر، ساطعة كالنجم، يجني أصحابها يوميًّا من الأجر والثواب مالا يُحصيه إلا خالقهم، وذلك لحسن أخلاقهم وطيب معدنهم وامتداد نفعهم فلا غرابة إذاً أن يكثر ذاكروهم بالخير والداعون لهم، وحسبكم حبيبنا وقدوتناr فقد رفع الله ذكره وأعلى شأنه، حتى أعلن ذلك القرآن الكريم فقال الحق: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}[الشرح: 4].ولو لم يكن رفع الذكر من النعم التي يجب أن تُشكر لما امتن الله به على رسوله محمدr. قال قتادة: "رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله!".
أغَرُّ، عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّة ِ خَـاتَمٌ مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويُشْهَدُ
وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ، إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ
وَشَقَّ لهُ منِ اسمهِ ليجلَّهُ فذو العرشِ محمودٌ، وهذا محمدُ
نَبيٌّ أتَانَا بَعْدَ يَأسٍ وَفَتْرَة ٍ منَ الرسلِ، والأوثانِ في الأرضِ تعبدُ
فَأمْسَى سِرَاجاً مُسْتَنيراً وَهَادِياً، يَلُوحُ كما لاحَ الصّقِيلُ المُهَنَّدُ
r، وهذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وغيرهم من الصحابة الكرام كم عدد من يذكرونهم يوميًّا في شتى بقاع الأرض مثنيًا عليهم، ومترضيًا عنهم؟ وقس عليهم غيرهم من رجالات الإسلام، وعلماء الملة وقادتها وسادتها كأبي حنيفة النعمان وإمام المدينة النبوية مالك، والشافعي وأحمد والطبري وإسحاق، وابن تيمية وابن القيم وابن باز وابن عثيمين وغيرهم الكثير الكثير...، بل كم مرة ذكرت أنت بنفسك أخي المبارك هذه الأسماء اللامعة والنجوم الساطعة، مترحمًا عليهم وداعيًا لهم ومشيدًا بجهودهم؟ أليس هذا أثرًا من آثار الذكر الحسن، والصيت الطيب، ألا تحب أن تكون مثلهم، وتحصل على الخير الكثير، والأجر الوفير كما يحصلون هم، فاقتدِ بهم، وتجمل بأخلاقهم، وافعل الخير كله، فالثناء عليك في حياتك وبعد موتك يكون بقدر مآثرك وإحسانك وفضائلك، يقول العلامة ابن السعدي في هذا المجال: " فكل محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه". ولذا فالذكر الحسن والسمعة الطيبة منة من منن الله على خلقه، فهذا إمام الموحدين إبراهيم -عليه السلام- يدعو ربه أن يجعل له الذكر الدائم والأثر الحسن والسمعة الطيبة بعد موته فقال: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84]؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يعني: الثناء الحسن". فاستجاب الله دعاءه، وأعطاه سؤله، وكافأه على صنيعه، فجعله أبا الأنبياء، وخلاصة الأصفياء، وإمام الحنفاء، وقدوة الأتقياء، وأبقى ذكره حسنًا، وصِيته طيبًا،كما قال ربنا: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ*سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ*كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ*وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ*وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}[الصافات:108-114]،يقول السعدي في تفسير الآيات:"أي وأبقينا عليه ثناءً صادقًا في الآخِرِينَ، كما كان في الأولين، فهو محبوب معظم مثني عليه، وتحية إجلال وإكبار عليه. وقال سبحانه أيضًا:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ*وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل:120-122] ، يا الله! ما أغلى وأعلى هذا الذكر الحسن والثناء الصادق
من الله لهذا النبي الكريم:
عُلوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ بحَقٍّ أَنت إحدى المعجزاتِ
ويقول الله آمرًا نبيه أن يذكر بعض أنبيائه المخلَصين: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ*إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ*وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ*وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ*هَذَا ذِكْرٌ..}أي: شرف وثناء جميل يُذكَرون به. قال أبو بكر بن عياش رحمه الله: "أهلُ السنة يموتون ويحيا ذِكرُهُم، وأهلُ البدعة يموتون ويموتُ ذِكرُهم؛لأن أهل السنة أحيَوا ما جاء به الرسولr، فكان لهم نصيبٌ من قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، وأهل البدعة شنؤُوا ما جاء به الرسولr، فكان لهم نصيبٌ من قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}". وهكذا فالأشرار والفجار تسطر أسماؤهم في صفحات التاريخ السوداء، لا يذكرون إلا بلعن وقبح وازدراء، مثل إبليس اللعين والشيطان الرجيم، وقارون وفرعون وهامان، وغيرهم من رؤوس الكفر والضلالة، ورموز الجبروت والبغي والطغيان. كما قال تعالى: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ} فكم من أناس يرحلون عن هذه الدار فلا يتحسر عليهم أحد، ولا تبكي على فقدهم السماء، ولا تحزن على فراقهم الأرض: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} فليس كل أحد يبكى عليه، ويرثى له،
إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى * فقد ثُلِمتْ مِن الإسلام ثُلمَةْ
وموتُ الحاكمِ العدل المُوَلى * بحُكمِ الشرعِ مَنقصَة ونِقْمَةْ
وموتُ فتىً كثيرِ الجُودِ مَحْلٌ * فإنَّ بقاءَه خصب ونِعمَةْ
وموت العابدِ القوَّامِ ليْـــلاً * يُناجي ربَّه في كُلِّ ظلمَة
وموت الفارس الضرغام هدمٌ * فكم شهدت له بالنصر عزمةْ
فحسبك خمسة يُبْكَى عليهم * وباقي الناس تخفيفٌ ورحمةْ
وباقي الخلق همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمةْ
فاحرص أيها المسلم بحسن أخلاقك وأفعالك أن تترك أثرًا جميلاً بين الناس، واسعَ أن تكون حسن الصيت، محمود الذكر، حميد السمعة، جميل المآثر، ممدوح الخلال،لتكن صفحتك بيضاء، وساحتك كاللبن في النقاء، اترك مأثرة يرويها لسان الحمد، ويذيعها بريد الثناء وكل فرد:
دَقَّـاتُ قلبِ المرءِ قائلة ٌ له: إنَّ الحياة َ دقـائقٌ وثواني
فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني
إخوةَ الإيمانِ! إنكم تعرفون أناسًا يسعون ويلهثون خلف الذكر والشهرة، ويطلبونها من أي طريق وبأي فعل، حتى ولو كان فعلاً محرماً أو معيباً، بل هناك من يشتريها ويرشي من أجلها، وربما نالوا شيئًا شزرًا منها سرعان ما تضمحل وتذهب، بل وينكشفون للناس إن لم يكن الناس يعرفون مآربهم أصلاً، نسي هؤلاء أن سنة الله في الذكر الحسن وحب الناس إنما تكون لمن صدق مع الله وأراد وجهه، فمن سعى لمجرد الذكر سقط، فتنبهوا إخوة الإيمان وأخلصوا الأعمال والأقوال، لمن بيده مفاتح القلوب، وجدُّوا واجتهدوا، وخذوا بالأسباب، متوكلين على رب الأرباب، فقد أخبر r عما يخلد ذكر المرء وثوابه بعد موته، فروى مسلم وغيره عن أَبِي هُرَيْرَةَtأَنَّهr قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)).وقَالَr:((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ)) رواه ابن ماجه وصححه الألباني. هذا هو الهدفُ الحادي عشر من أهدافِ الاستقامةِ الخلقيةِ الدنيويةِ في الإسلامِ: بقاءُ الذكر الجميل، والثناء الحسن، والصِّيْت الطيب للعبد في الحياة وبعد الممات. نسألُ اللهَ أن يهديَنا لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ،لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ هو، وَأن يصْرِفَ عَنَّا سَيِّئَهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلاَّ هو، أقولُ ما تسمعون، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المسلمينَ فاستغفروهُ.