قصة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها في 16/3/1430هـ
الحمدُ للهِ الذي أنزلَ آياتٍ بيناتٍ، وفصلها سورًا وآياتٍ، وصلى اللهُ وسلمَ على نبيِّ الْمَكْرُمَاتِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعهم حتى المماتِ. أمّا بعدُ: أيّها النَّاسُ! اتقوا ربَّكم واشكروه، واعملوا بالقرآنِ وتدبروه، فهو سد منيع في وجه فتنِ الشبهاتِ والشهواتِ، ومواصلة لسلسلة (قصص النساءِ في القرآنِ)، وكنا قد بدأنا الحديث في الجولة الثالثة منها: قصص النساء في القرآن في عصر نبينا محمد e، نساء لهن صولات وجولات مع حبيبنا e ذكرهن القرآن تصريحاً وتلميحاً، بدأنا بأم جميل امرأة أبي لهب، واليوم نقف مع امرأة من عامة النساء، هي: خولة بنت ثعلبة الأنصارية، امرأة أوس بن الصامت الأنصاري، وردت قصتها في مطلع سورة المجادلة، وهي أول سورة في الجزء الثامن والعشرين من القرآن الكريم، والعجيب أن سور هذا الجزء تركز على البعد الداخلي والمشاكل الداخلية للمجتمع، خاصة تلك المشاكل الحياتية اليومية العادية، فالتوجيه الرباني في هذه القصة ينزل في شأنٍ يوميٍ لأسرة صغيرة فقيرة مغمورة لتقرر حكم الله في قضيتها، قصة لها دور كبير في تشكيل وإعادة صياغة المواجهة للمشاكل الحياتية والاجتماعية في واقعنا المعاصر، والتي ربما تأثرت بالتدافعات الفكرية والصراعات الثقافية المتعددة في قضية مهمة طالما دار الجدال والتشكيك حولها، ألا وهي قضية مكانة المرأة ودورها في المجتمع الإسلامي، ومدى قدرتِها بأخذ حقوقها المدنية والاجتماعية، وبتدبر آيات القصة فإن خولة رضي الله عنها خير دليل وبرهان عملي على مكانة المرأة في المجتمع الرباني، فقد كان لها شخصيتها ورأيها ومطالبتها بحقها الشرعي بنفسها دون مواربة أو حياء، أو تحرج من ولي أو حتى نبي، فاسمعوا خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ رضي الله عنها تحكي قصتها فتقول: وَاللَّهِ، فِيَّ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ. قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ سَاعَةً، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَلَى نَفْسِي قَالَتْ: فَقُلْتُ: كَلا وَالذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ، لا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ. قَالَتْ: فَوَاثَبَنِي، وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ، فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ، فَجَعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ مَا أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ. قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: ((يَا خُوَيْلَةُ، ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ)). قَالَتْ: فَوَاللَّهِ، مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ، فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ لِي: ((يَا خُوَيْلَةُ، قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ))، ثُمَّ قرَأَ عَلَيَّ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة:1-4]، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : ((مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ، قَالَ: ((فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ-يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: ((فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ))، قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَا ذَاكَ عِنْدَهُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ((فَإِنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَأَنَا - يَا رَسُولَ اللَّهِ- سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: ((قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ، فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا))، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. أيتها المؤمنات: تأملن كيف تصرفت خولة تصرفًا راقيًا حيال هذه المشكلة، امتنعت وتحركت و حاورت وجادلت، بل صممت على الحل العادل الذي يتوافق وظروف بيتها، كل ذلك بأدب جم وحياء أنثوي رفيع. ويؤكد ذلك الروايات الصحيحة عن القصة وكذلك اسم السورة، فقد كانت على قدر من المسؤولية وعلى استيعاب أي خلاف عائلي وبأسلوب راق وفن رائع، وهذا ما يحتاجه اليوم الكثير من الأزواج من الجنسين فمدار كثير من المشاكل الزوجية وقصص الطلاق التي نسمعها حول موضوع تافه لا يستحق الخلاف والتنازع عليه فضلاً أن يصل للفراق والطلاق، وبكل صراحة فإن البعض من شباب اليوم لم يترب على تحمل المسئولية ومواجهة المشكلات الحياتية، ولذا فأيسر طريق وأسهل حل هو الهروب من المشكلة بالفراق دون وعي لآثار ذلك الهروب، ولذلك فما أحوج الزوجان للدورات التدريبية المكثفة على المسئولية في الحياة الزوجية، ومواجهة المشكلات الحياتية، والتي هي ملح الحياة ولا يخلوا منها بيت. ثم قفوا وقفة إكبار لفقه خولة لأدب الاختلاف: الذي هو سنة ثابتة بين البشر وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم إذن لا يحقّ لنا أن نذهل أمام الاختلاف اليومي بيننا سواء في محيط الأفراد أو في محيط الأسرة الواحدة، أو في محيط المذاهب والمؤسسات والمجتمعات، فالخطورة في أن ينقلب هذا الخلاف الظاهري إلى خلاف باطني مذموم، بل محرم، ((لا تختلفوا فتختلف قلوبكم))، فإن حياة البعض من الأزواج قائمة باستمرار على الاحتراب النفسي بين الزوجين وربما دون أي محاولة للاقتراب النفسي بينهما، فكل منهما يحاول السيطرة على الآخر وأن يكون نسخة طبق الأصل منه في كل محابه ومكارهه غَفِلا أنَّ كلَّ إنسانٍ له شخصيتُهُ المستقلةُ فيما يحبُّ ويكرهُ، وفي طبيعةِ تفكيرِه وسلوكِه، فهي إما غفلةٌ منهما عن هذا الْمَلمَحِ الخطيرِ أو جشع وأنانية، ولعل هذا يحتاج لبسط ليس هذا مقامه، ومن هذا الملمح التربوي المهم؛ نضع أيدينا على سمة مهمة من سمات المنهج الذي أنتج لنا ذاك العصر الناصع، وتلك الأمة الرائدة المتصافية، إنها سمة الواقعية فقد كان منهجًا واقعيًا يرقى بالبشر إلى أفق وضيء، لم ينس أنهم بشر يخطئون ويغضبون ويتخاصمون ويغفرون، فخولة رضي الله عنها حتى عندما نزل الوحي بالحل لقضيتها نجد أنها حاورت النبي e وحصلت بحكمتها على أفضل الحلول، ثم كانت رفيقة بأسرتِها، حتى بزوجها وهي في قمة غضبها منه ومن تصرفاته، فهي بذلك تعطينا درساً تربوياً عظيمًا في أدب الاختلاف الذي يقود للاقتراب مع زوجها وليس للاحتراب. ثم قفوا مرة أخرى مع ورع وخوف خولة من الله، موقف يتجلى فيه إيمان المرأة ومراقبتها لله، تقول: (ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإِذَا هُوَ يُرِيدُنِي عَلَى نَفْسِي، قَالَتْ: فَقُلْتُ: كَلاَّ وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ، لا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ. قَالَتْ: فَوَاثَبَنِي وَامْتَنَعْتُ مِنْهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَأَلْقَيْتُهُ عَنِّي. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ جَارَاتِي فَاسْتَعَرْتُ مِنْهَا ثِيَابَهَا ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ) حدث بيتي، وعراك زوجي داخلي، قارنوا فيه بين سلوك زوجها وسلوكها الراقي الورع الذي استوعب أخطاء الزوج من أجل عدم الوقوع فيما يغضب الله تعالى، تأملوا كيف فطنت أن طاعة الزوج لها حدود طاعة في غير معصية لله، ثم سرعة تصرفها وحكمتها في وجوب الإسراع في حلّ تلك المشكلة الأسرية من أجل الحفاظ على كيان الأسرة دون تقول كاذب أو اتهام ظالم من الزوجين لبعضهما، وهذا ما يُشعرنا بالمستوى الراقي من الأخلاق والورع الذي تربت عليه المرأة في ذلك المجتمع الرباني، فحماية كيان الأسرة لا يسوِّغ معصية الله، فطاعة الله أولا هي قاعدة الحياة الزوجية الهانئة، وأن معصية الله من الزوجين أو في البيت أو فعل محرم أو أكل الحرام ونحوه مما يغضب الله سبب رئيس في شقاء ذلك البيت وكثرة المشاكل والنزاعات فيه، ومن فتش في نفسه وبيته وحاسب نفسه وصدق معها علم هذه الحقيقة "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير"، ومن المفيد جداً هنا التذكير بقول النبي : "صدقة السر تطفئ غضب الرب"، فأكثروا منها ومن الاستغفار لرأب صدع الأسرة ومشاكلها. فما أعقلك وأحكمك يا خولة فأنت معلمة للنساء في فن احتواء المشاكل البيتية، فرضي الله عنك وأرضاك. ومن دروس القصة: فقه خولة للمرجعية، فقد حملت رضي الله عنها شكواها للحبيب ، فلم تذهب لغيره، ولم تشك لعائشة رضي الله عليها، بل جاءت وانفردت به . تقول عَائِشَةَ رضي الله عنها وهي حاضرة للمجلس، قَالَت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا إنها تُقر وتعلم أن لها مرجعية شرعية يُرجع إليها {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، فأحكام الشريعة وعلماؤها هم الضابط في نزاعاتنا الزوجية والأسرية، لـم يكن يجهل ذلك أي فرد في المجتمع الأول سواء الرجل أو المرأة أو الطفل. فإذا كنا على قناعة بواقعية البشر وأن من حقهم الخطأ فلا يحق أن ننسى الضابط الذي يحمي هذه الواقعية ويمنع انحرافاتها، ألا وهو ضابط المرجعية التي يرجع إليها عند حدوث الخلافات. وإذا كنا على قناعة في أن المشاكل الزوجية هي أمر طبعي ومن سمات البشر، فإننا نتعلم من تصرف خولة رضي الله عنها أهمية معرفة من له الحق في إصلاح هذا الخلاف، فيحافظ على السر ويحاول حل المشكلة، دون البوح فيها هنا وهناك، ودون تدخل حتى الوالدين أو الأهل والذين وللأسف غالباً تدخلهم يزيد الطين بِلة، والمشكلة تعقيداً وعلة. ولنقف مع شكاية خولة والتي تُمثل وتُحاكي شكاية الكثير من المطلقات اليوم: يا رسول الله، أكلَ مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. فسألت النبي فقال لها: ((حُرِّمْتِ عليه))، فقالت: والله ما ذكر طلاقًا، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني، فقال: ((حرمْتِ عليه))، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية. هذا لسان حال البعض من المطلقات اليوم أكل زوجها مالها، وأفنى شبابَها، ونثرت بطنها بأولاده وأولادها، حتى إذا كبر سنها وانقطع حملها، ضاق الزوج بها ذرعاً أو ظلماً ونكراناً فربما طلق أو علق، أو هدد بالطلاق وأرعد، والحكيم الخبير يوصي فيقول: "ولا تنسوا الفضل بينكم"، ولذا توجهت خولة إلى ربها: اللهم إني أشكو إليك.. أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني..، كما قال تعالى: {وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}، إن الله سميع لمن يناجيه ويتضرع إليه، بصير بحال الشاكي، فلنشكو أمورنا إلى الله، ولننزل حاجاتنا بالله، فمن توكل عليه كفاه، وأعانه ونجاه، هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والقصص والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن وَالَاهُ، وبعدُ: إن النعم من الله عطية عظمى، ومنة كبرى، وحفظ النعمة سبب من أسباب بقائها ودوامها ونموها واستمرارها، وشكرها قيدها وحفظها عن الزوال كما قال تعالى:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[إبراهيم:7]، وما نشهده اليوم في بعض أحيائنا وطرقاتنا وأماكن تجميع القمائم والمخلفات من أكوام الأطعمة وضروب النعم المهدرة أقل ما يقال فيه إنه ناشئ عن سفه في العقل، وعن ضعف في الدين، وسوء تصرف وتدبير، وهو من صور التنكر للنعمة، ومجلبة للنقمة، ويبدد الأموال والثروات، ويجلب العقوبات والبليات، العاجلة منها والآجلة، ويسخط رب الأرض والسموات، وسبب كبير في تلوث البيئة، وانتشار لبعض الأمراض والأدواء، ولذا فقد أحسنت بلدية محافظتنا بمشروعها النوعي والمبارك والذي بدأ هذا الأسبوع حملة: "حفظ النعمة" تذكيراً منهم بأهمية وخطورة الأمر، وتوجيهاً وترشيداً للناس، فلنتعاون جميعنا لإنجاح هذا المشروع، وتذكير الناس فيه وتوعيتهم، والقاعدة الشرعية: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ))،
إذَا كُنْتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَهَا فَإِنَّ المعاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَدَاوِمْ علَيْها بِشُكْرِ الإِلَهِ فإنَّ الإلهَ سريعُ النِّقَمْ
اللهمَّ فَقِّهْنَا بالدينِ وارزقْنَا تدبرَ القرآنِ والعملَ بِهِ يَاربَّ العَالمينَ، اللهمَّ انصرْ إخوَانَنَا المستضعفينَ في كلِّ مكانٍ ياربَّ العالمينَ، اللهم فرِّجْ همَّ إخوانِنَا في غَزَّةَ وفلسطينَ برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ، اللهم أصلحْ أحوالَ المسلمينَ ،وألِّفْ بينَ قلوبِ قادَتِهم على التوحيدِ والقرآنِ، وأصلح ولاةَ أمرِنَا، ووفِّقْهُم لِمَا تُحِبُّهُ وتَرضَاهُ،وارزقْهُمُ البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ، اللهمَّ اشفِ مرضَانَا وجميعَ مرضى المسلمينَ،وارفعْ عنهُمُ البلاءَ برحمتِكَ يَا أرحَمَ الراحمينَ، اللهمَّ ندعوكَ برحمتِكَ التي وسعتْ كلَّ شيءٍ،ونتوسلُ إليكَ بكَرَمِكَ الذي عمَّ كلَّ شيءٍ، اللهمَّ اسقِنَا منْ بركَاتِكَ،اللهمَّ اسقِنَا وأَغِثْنَا برحمَتِكَ، اللهمَّ انشُر رحمَتَكَ بينَ العبادِ،وأسقِ الحاضرَ والبادِ،اللهمَّ سُقيَا بركةٍ ورحمةٍ يا أرحمَ الراحمينَ،اللهمَّ صلِّ وسَلِّم على النبيِّ الأمينِ،وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعينَ،ومنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ،والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.