دروس وعظات من وفاة الوالد رحمه الله في 11/6/1427هـ
الحمد لله المبدئ المعيد، ذي العرش المجيد، الملكُ ملكه، والخلق خلقه، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ،أحمدُه سبحانه وأشكرُه وأتوبُ إليه وأستغفره وأسأله من فضله المزيد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيىء شهيد،وأشهد أن نبينا محمداً عبدُهُ ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه من العبيد.. أما بعد عباد الله:لا شك أن الإنسان في رحلة الدنيا القصيرة يمر بأيام عصيبة ومواقف عجيبة، مواقف ربما لا تنسى ولا تمحى، فتبقى محفورة بأغلظ الحروف في صفحات ذاكرته مدى الحياة، لحظات مليئة بالدروس والعبر، وليس راءٍ كمن سمع، إنها لحظات قد تغير مجرى حياة الإنسان، فكم من إنسان غافل لاهٍ سادرٍ بدنياه، اتعظ واعتبر، واستيقظ وتنبه، لما حلّت المصيبة بداره وبين يديه، أو رأى الموت بعينيه، إنها لحظات تلقي بظلالها على كثير من اهتمامات ذلك الإنسان وأفكاره وتصوراته، وطريقة عيشه وتعامله مع نفسه وغيره..وهذه عائشة - رضي الله عنها – تتذكر لحظات وفاة الحبيبr فتحكي ما نزل بها وبالصحابة من جراء موت النبي r، فتقول:"لما قبض رسول الله r ارتدت العرب قاطبة، واشرأب النفاق، واللهِ لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمدr كأنهم معزى مطيرة في حش بأرض مسبعة..".فما أحرى العاقل اللبيب بأن يُرهف سمعه لهمسات المكروبين والمحزونين،
قالوا بعينكَ عبرةٌ قلتُ: الأسى دمعٌ ودمْ
قالوا بقلبك حرقةٌ قلتُ: المواجع تضطرمْ
قالوا حروفُكَ لوعةٌ قلت: الصبابةُ والألـمْ
لا تسألوني فالجوا بُ يزيدُ في قلبي الألـمْ
لقد عشت خلال الأيام الماضية لحظات عصيبة قضيت معها أصعب أيام حياتي، وأكثرها تأثيرًا وتأثرًا، ومررت بكل فصولها فصلاً فصلاً، حتى أتيت على آخر صفحاتها، وكانت لي في كل فصل من فصولها بل في كل صفحة من صفحاتها عبر وعظات، ومواقف وذكريات، ودروس وخطب ومحاضرات تغني عن كل درس وعبرة، حيث كانت حية معبرة، موجعة ومؤثرة، فقدت فيها من كان سببًا لوجودي في الدنيا بعد الله عز وجل، فالوالدان بابان مفتوحان للجنة، وقد أغلق عليَ أحدهما، وكانت لي في حياته عبر وأي عبر، ولكنه الآن هو أوعظ منه حيًّا،
وكانت لي في حياتك من عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيًّا
ولكن عزائي أن الموت كأس تدار، لا يسلم منها كبار ولا صغار، كما قال الشافعي:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
لو كانت الدنيا باقية لأحد لخلد فيها خير البشر، وأفضل من وطئت قدماه الثرى، ولكن كما قال تعالى:]وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ () كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(. ولذا كان من السنة إذا أصابت الإنسان مصيبة أن يتذكر المصيبةَ الكبرى لكل مسلم؛ فقد حبيبنا وقدوتنا ورسولنا وخليل رب العالمين، أشرف خلق الله أجمعين، ومن هو طاعته واجبة علينا، ومحبته فوق محبة كل أحد من الخلق، مهما علت رتبته، وكانت قرابته، بأبي هو وأميr: وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يُفقد
فمهما كان مصاب الإنسان جللاً فيهون عند تذكر مصابه بحبيبه محمدr، كما قالr: ((إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ )). فالحمد لله ورضينا بقضاء الله خيره وشره، وحلوه ومره، فاللَّهُمَّ أْجُرْنَا فِي مُصِيبَتنا وَأَخْلِفْ لنا خَيْرًا مِنْهَا!! فـ ((مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا )).
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
فكفى بالموت واعظًا، و ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ؛ فإنه لم يذكره أَحَدٌ فِي ضِيْقٍ مَنَ الْعَيْشِ إِلا وَسَّعَهُ، وَلا يذكُرهُ في سَعَةٍ إِلا ضَيَّقها عليهِ )). كما قالr، وكان في جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى، حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: (( يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا)). وسألr رجلٌ فقال: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: ((أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ )). ورحم الله عمر بن عبد العزيز إذ قال: "لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد". وسئل أحد السلف: لماذا نكره الموت؟ فقال: "لأنكم عمّرتم دنياكم، وخربتم أخراكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب".
هو الموت لا منجى من الموت والذي نُحاذر بعد الموت أنكى وأفظع ورغم ذلك كله فإننا كثيراً ما نحاول الهروب من مجرد ذكر الموت، نتظاهر بالتغافل والتشاغل عنه،]وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد [. نحيد حتى وإن بلغنا من العمر عتيا، نحيد حتى وإن أنشب المرض مخالبه وعض علينا بأنيابه، "قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم"، لقد لقيته خلال الأيام الماضية ورأيته، كنت معه في غرفة واحدة، كنت أعلم أن الموت حق، ومؤمن راضٍ بما كتب الله لكنها بشرية الإنسان،
ولو أن هذا الموتَ يقبلُ فِديةً فديناهُ أموالاً كراماً وأنفساً
لو كان يقبل فديةً لفديت أبي بنفسي وروحي، فآهٍ ما أضعف الإنسان، ما أوهن حبله!! ما أشد غفلته عن النعم التي يتقلب فيها؟! كم النعم لا ندرك قدرها إلا عند فقدها؟! حقاً إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لقد عشت أياماً بين غرف ودهاليز المرضى، فلا ترى سوى الأجهزة والآلات، أجهزة تنفس، وتغذية، وأخرى لضبط ضغط الدم، وقياس دقات القلب، وإذا ما أرخى الليل سدوله، تسللت الحمى من جحرها، وأخذت الأوجاع تفعل فعلها، فلا تسمع سوى أنين المرضى، وصراخهم وأصواتهم.. فأين من يعتبر؟! أين من يُلقي السمع؟! كم من مُنْعَمٍ عليه غير شاكر، كم هي آلاء ربنا ونعمه ومع ذلك نُقصر كثيراً بشكره، وقد لا نحمده حق حمده، "كلا إن الإنسان ليطغى () أن رآه استغنى)) .
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
اخوة الإيمان: لقد كان في مثل هذا اليوم الجمعة، قريباً من هذه الساعات موعد السكرات وغمرات الموت، وكنت بأمس الحاجة للتثبيت ورباطة القلب، وكنت على ثقة بأن الله مع عبده المؤمن،"يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء" [إبراهيم:27]. إنه أرحم الراحمين، "فاحفظ الله يحفظك، احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة"، إنه الإيمان له أثر عجيب خاصة عند الصدمات فيا سبحان الله عند المصيبة يتحرك كنز الإيمان ليجري في الدم والعروق فيبني جبهة صدٍ للأزمات، فيعلن القلب الصبر والرضا، ويتمتم بالاسترجاع والحوقلة، وربما سالت دمعات على الخدين، لتعلن رقة قلب المؤمن، فإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، الله أكبر، إنها جنة الرضا، وحلاوة الإيمان التي تمتص مرارة الألم من قلب مفؤود محزون، وكيف لا يُربط على القلب ولا يُسرى عن النفس، ويوم الجمعة من أفضل الأيام؛ والوفاة فيها أو ليلتها من علامات حسن الخاتمة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله r:((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ )).قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: " وَمَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَقَدْ اِنْكَشَفَ لَهُ الْغِطَاءُ عَمَّا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَا تُسْجَرُ فِيهِ جَهَنَّمُ وَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا, وَلَا يَعْمَلُ سُلْطَانُ النَّارِ فِيهِ مَا يَعْمَلُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ, فَإِذَا قَبَضَ اللَّهُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَوَافَقَ قَبْضُهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا لِسَعَادَتِهِ وَحُسْنِ مَآبِهِ, وَإِنَّهُ لَا يُقْبَضُ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَّا مَنْ كَتَبَ لَهُ السَّعَادَةَ عِنْدَهُ, فَلِذَلِكَ يَقِيهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ, لِأَنَّ سَبَبَهَا إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمُنَافِقِ مِنْ الْمُؤْمِنِ". ثم إن من علامات حسن الخاتمة: سهولة ويسر خروج الروح،]فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ () وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ () وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ[ إي وربي كنت أنظر وأرقب، وكنت أحمل همّ تلك اللحظات فإذا بالرحمة تتنزل وإذا باللطف يتجلى من اللطيف الرحيم الرحمن، وإذا بروح عبده تَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، سهلة هادئة طيبة، فذكرت حينها قول النبي r: ((..إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ - يَعْنِي بِهَا - عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؛ فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِr فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي..)) رواه أحمد وغيره وصححه الألباني في حاشية شرح الطحاوية(ص:576). نسأل الله الكريم من فضله، ونسأله لنا ولكم ولوالدينا حسن الخاتمة فـ "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا"(خ)، وقد بكى سفيان الثوري، فقيل له: "كلُّ هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة". يقول ابن القيم معقبًا: "وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى" . ثم إن الأمراض خاصة عند الكبر، رفعة وطهور وكفارة، وهذه للكبار بشارة، فالمرض يُطهر صاحبه مما ارتكب أو يخفف عنه،".. فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" رواه الترمذي وغيره وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، "ومن يُرد الله به خيراً يُصب منه" كما في البخاري، فصبراً أيها الآباء، صبراً أيها المرضى واحتسبوا ما أصابكم لتنالوا أجركم، ولترفع درجاتكم، وتكفر سيئاتكم، فتقبلوا صفحة بيضاء على ربكم، ثم هي فرصة لكم معاشر الأبناء للتنافس والتسابق ببر وخدمة الآباء، فلقد رأيت في الأيام الماضية في دهاليز وممرات المشفى ما يشرح النفس ويُسعد القلب من تسابق وحرص الأبناء على خدمة آبائهم ورعايتهم، وهذا ليس بغريب ولا كثير على الابن المسلم البار، لكنه تذكير وتحفيز لمن يسمعني من الأبناء في زمن كثرت فيه مواقف وقصص العقوق، فما أشد حاجتنا يعلم الله إلى بر الوالدين، فهما الطريق إلى رضا الرحمن، وإلى الجنة دار الرضوان، بكى إياس بن معاوية عند موت أمه؟ فلما سئل عن ذلك، قال: ولم لا أبكي وقد أغلق عني باب من أبواب الجنة؟! والنبيr يقول: "رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ". ويقولr:"رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ" قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ:"مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ" رواه مسلم وأحمد. ويتأكد برهما خاصة عند الكبر كما قال الله تعالى:) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا () وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(. والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، فيا الله ما أشد غفلتنا عن هذه العبادة العظيمة، فليس شيء أعظم بعد التوحيد من القيام بحق الوالدين، إنها وصية الله تعالى للأبناء. وعند ابن حبان أن جبريل عليه السلام قال:"يا محمد! من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار، فأبعده الله، قلْ آمين، فقلت آمين". وعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّr فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِرَّهَا".(رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه). وقال الإمام أحمد:"بر الوالدين كفارة الكبائر".نسأل الله أن يرزقنا البر بآبائنا وأمهاتنا أحياءاً وأمواتاً، وأن لا يحرمنا فضل رعايتهم وخدمتهم وأجرهم . وبقي أن أقول: أنه لا يبقى للمسلم في الدنيا بعد موته أعظم من الذكر الحسن، والسمعة الطيبة وهي من علامات خيرية للإنسان، وحسن خاتمته، فَعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ r: (( وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ)) وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ r: (( وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ )) قَقال عُمَرُ في ذلك للنبي فَقَالَ r:"مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ" متفق على صحته. قال النووي:"..أَنَّ كُلّ مُسْلِم مَاتَ فَأَلْهَمَ اللَّه تَعَالَى النَّاس أَوْ مُعْظَمهمْ الثَّنَاء عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة." وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ:"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةٌ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ إِلَّا قَالَ قَدْ قَبِلْتُ فِيهِ عِلْمَكُمْ فِيهِ، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".رواه أحمد وابن حبان والحاكم. وذكره الحافظ في الفتح. وعَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ:"مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ" رواه مسلم. اخوة الإيمان: ليست هذه مرثية لأبي، بل هي كلمات، ودروس وعظات، من موقف مرّ بي لن أنساه، ذكرتها من باب التربية بالحدث، ولولا أنني أعتلى منبر جمعة له أحكام وآداب، لجعلتها مرثية تقطر حَزناً وأسى، وألماً وشجى، فالرثاء عنوان للوفاء، ومن أحق عندي من أبي بالرثاء، لكن ما نقول إلا ما يُرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم إننا نضرع إليك، ونتوسل بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترحم جميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، وأن تغفر لنا ولوالدينا وترحمنا، اللهم ارحم موتانا برحمتك، وأسكنهم فسيح جنتك ،واكتبهم عندك في المحسنين، اللهم اشكر حسناتهم، واغفر سيئاتهم، وأعذهم من عذاب القبر، واجمع لهم برحمتك الأمن من عذابك، واكفهم كل هول دون الجنة، اللهم وارفعهم في عليين، وعد عليهم بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين ،اللهم هون علينا سكرات الموت، وارزقنا حسن الخاتمة بعد طول عمر وصلاح عمل، وصحة وعافية يا أرحم الراحمين، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،العزة لله ولرسوله وللمؤمنين،والذلة والصغار والمسكنة لمن غَضِبَ الله عَلَيْهِم "وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ"..أما بعد أمة الإسلام: فإخواننا في فلسطين هذه الأيام يعيشون ظروفاً صعبة وأحداثاً أليمة، بسبب تكبر وبطش وغرور العدو الصهيوني الغاشم، قتل للنساء والأطفال، وعدوان على الممتلكات، وتخريب وتدمير لمقومات الحياة، كل ذلك لتقويض البنية التحتية لشعب مسلم منهك، وعلى مرأى ومسمع من العالم كله، سكوت وصمت عجيب، وليس هذا بغريب فالكل مشغول بنفسه، غافل لاه بدنياه، فنشكوا حال إخواننا إلى الله ، ونسأل الله أن يجمع قلوبهم ويوحد صفهم، وأن يثبت أقدامهم ويمدهم بعونه وتوفيقه، ثم إني أذكر إخواننا أئمة المساجد بدعوة المفتي العام إلى المبادرة بالقنوت لأهل فلسطين، والدعاء لهم، كما أذكِّر نفسي وإخواني بفضل الجهاد بالمال فإنه من أعظم القربات وأفضل أنواع الجهاد كل حين، فكيف وقد حيل بين المسلمين وبين الجهاد بأنفسهم في فلسطين؟ ولعظم مكانة الجهاد بالمال قدمه الله تعالى في أكثر المواضع من القرآن الكريم على الجهاد بالنفس فنهيب بإخواننا المسلمين أن يسارعوا لنجدة شعبنا الصابر في الأرض المقدسة فالحاجة الآن أشد والحال أشق ،وسوف يعوضكم الله بإذنه عما تنفقون راحة في الضمير وبركة في الرزق ونوراً في القلب، وما عند الله خير وأبقى، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم أمّن خوفهم، واربط على قلوبهم، واحفظ دينهم، ووحد صفهم،وسدد رميهم،وقوي عزيمتهم، واجمع كلمتهم. اللهم ليس لهم إلا أنت، وكفى بك نصيراً،اللهم أنت حسبهم وكفى بك حسيباً، اللهم لا حول لهم ولا قوة إلا بك، فلا تكلهم لأنفسهم طرفة عين، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، اللهم كن للأرامل واليتامى والمساكين، والمحصورين والمأسورين، اللهم رد عنهم كيد الكائدين، وعدوان الغاشمين، اللهم منزل الكتاب،ومجري السحاب،وهازم الأحزاب اهزم اليهود وانصر المسلمين عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووفق قادتهم لنصرة المستضعفين في فلسطين ،اللهم اجمع قلوبهم على التوحيد والقرآن، وآلف بينهم وبين شعوبهم، ووحد صفوفهم،اللهم وفق ولاة أمورنا خاصة لخير الإسلام والمسلمين ،واجعلهم مفاتيح خير مباركين، وملاذاً للمستضعفين والمساكين، اللهم فرج هم المهمومين، واشف مرضى المسلمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.